إبراهيم حالي

فتحتُ جراحَ قلبي، فلم أجد دمًا يُسعفني على لملمةِ بعثرتي من تيهِ أيامي وضياعِ الطريق. كنتُ هناك، في أعمقِ القلب، فوجدتني غريبًا حتى عن اسمي وملامحي، المرسومةِ بأسًى على جدارِ الحريق. عاتبتني بنفسجٌ باكية، وبراعمُ حلمٍ هرِمت من طولِ غيابي، فجفَّ العطرُ عنها، وانطفأ في وجنتيها الرحيق. وصَمَتَ...
لم تكن ملامحنا صدفةً في المرايا، بل وشمًا نُقِش على العظام، حين كانت الملاحم تخيط وجوهنا بخيوط من دم وذاكرة. في فجر لا يُطل، تتشظى أجسادنا على أرصفة الصمت، فتتحوّل إلى أقلام تكتب التاريخ على ورق الغياب، بمداد من رجاء مصلوب وفقد لا يُدفن. عظامنا، التي داستها خطى العابرين كحجارة الطريق، لم...
لم يأت من الشرق الأوسط ولا هو من الناطقين بالعربية ولم يعتنق الإسلام يوماً لكنه اعتنق الإنسانية قبل كل شيء . من قلب أمريكا اللاتينية، يأتي من لا يحمل رتبة “باتيستا” ولا قمع “بينوشيه”، ولا أطماع القوى الكبرى، بل يحمل إرث جيفارا الإنساني العابر للقارات ،وقلب ماركيز . حين اختار جيفارا البندقية في...
الزمان أحد الأزمنة القاهرة؛ أزمنة الحروب التي لا يجيد صانعها إلا إشعالها، ولا يعرف طريق النصر فيها. في تلك الليلة، على ضفاف نهرٍ مظلم، جلسنا أنا ورفيقي “تسفالدت”، الملقب بـ “شاكتي”، نستنشق عبق التراب الممزوج برائحة البارود، بعد أن نقّينا الأرض قليلًا من الشوك، ولفّنا أنفسنا بسماء داكنة بكماء،...
وُلد عتريس الأهوج في قرية نائية لا تعترف بها الخرائط، ولم ترصدها الأقمار الصناعية، وباسمٍ عجزت المعاجم عن نطقه. قيل إنه وُلد في موسم أغار فيه الجراد على المحاصيل، وكأن قدومه جلب الشؤم فأصابته العنة الجوع والنهم . هيئته المتخمة وملامحه الممسوخة ظلّت عالقة في ذاكرة أهل القرية، الذين لم يجدوا له...
كلّ ما تبقّى هناك كانت ضحكةً معلّقةً في الهواء، ولحنًا حزينًا على وتر الربابة الوحيد. كان "أقيسا" يضحك كمن لا يعرف للحزن بابًا، او لم يختبره يوماً ،وكأنما خُلق لنثر البهجة، ليغنّي ليرقص ويعزف على ربابته ذات والتر الوحيد ، فينطقها أعذب الألحان وكأنها أوركسترا متكاملة. شابٌّ أبنوسيّ الملامح في...
خرجت من الكوخ كما تنبت زهرة عنيدة من بين الصخور، تحمل معها عبيرًا يوقظ الحواس وخطوات بالكاد تلامس تراب الأرض، كأنها انسكاب من نور الفجر. خُيّل إلي أن الأرض تحتفل بمقدمها، وأن أنفاس الريح ترقص بين شذى عطرها. كانت قصيرة القامة، رقيقة الملامح، لا تُقاس بجمال مألوف، بل بجمال يلمس الروح ويبهر العين...
باب صالة الحفل لم يُفتح، بل انفجر، كما لو أنه بوابة قلعة محاصَرة. دخل سيادته، لا ماشياً، بل مترنحًا من ثِقل السكر، خطواته تميل مع الريح، ويسوقه خمره لا فكره. خبط الأرض بقدمه اليسرى خبطة حاسمة، وكأنه يطبع عليها ختم ملكيته المطلقة. خلفه تسيل حاشية من الكلاب، أنوفها تستنشق الكلمات قبل أن تُقال،...
ركض نحوها كطفل صغير، رغم قامته الفارعة وعرض منكبيه. كانت خطواته تهزّ الأرض تحت قدميه كالجمل، وكأنها تعاتبها على المسافة الطويلة التي باعدت بينه وبين ابنته ذات الأعوام الخمسة. عثمان “فردة”؛ جندي من جنود الثورة التي حررت البلاد. وُلد في قرية صغيرة في قلب الوطن، قرية تتحدث كل لغاته وتحتضن كل...
كان البرد يهبط بصمت، زاحفًا بين الأبنية الرمادية كضيف ثقيل لا يُرحّب به. والمطر يتساقط بإيقاعٍ رتيب، يغسل الأرصفة والنوافذ، لكنه لا يداوي شيئًا مما في داخله. الهواء نظيف وبارد، لكنه لا يحمل ذرّة طمأنينة إلى قلبه الموجوع. لم تكن الساعة قد تجاوزت الرابعة عصراً ، لكن المدينة بدت وكأنها استسلمت...
في مدينةٍ ساحلية تهدهدها الأمواج، وتغسل شوارعها رائحة الميناء والملح، كانت “جورجيت” تمشي، لا تزال ممشوقة القوام، بيضاء البشرة، شعرها الذهبي المائل للبني ينسكب كشلال على كتفيها العريضين. ترتدي تنورة سماوية وبلوزة من نفس اللون، كأنها على موعد مع حبيبٍ غائب، أو أن الجمال والأناقة قررا ألا يفارقا...
كانت قديسة رأيتُها في الكُرِيّ تفتّش عنّا… تُسرّج خيولها وتمضي، وحيدةً في عراء الآلام. في كومة العتمة، كانت تسبح ضدّ التيار، في أنهارٍ من الدماء، كأنها نُحِتَت بالطعنات، وفي قلبها من الفقد ألفُ عام. رأيتُها تخيط جراح الأرض بإبرٍ من صبر، وخيوطٍ من رماد الرفات، وترمّم خرائط الروح بنزيفٍ لا...
حينما لفظني الوطن، نحتني الفراغُ على جدارِ الغياب. أتركُ التلفازَ مشغّلًا، لأصواتٍ تُقنعني أن في البيتِ حياة. أختارُ كلماتي كمن يخطو في حقلِ ألغام، أتحاشى أن أجرحَ لهجةً، أو أهتكَ عُرفًا او تراثيات أمرُّ في الشوارعِ كشبحٍ بلا ظل، كأنني لا شيء… لا أحدَ يردّ السلام، ولا أحدَ ينتبه أنني عبرت...
خرج من بيت صديقه تلك الليلة، لا لأنه ودّع سهرة أو أنهى زيارة، بل لأنه ببساطة لم يعد يملك مكانًا يعود إليه. البيت الذي كان يومًا سكناه، تحوّل إلى ذكرى باهتة في دفاتر الإيجارات المتأخرة، رقم مطموس في دفترٍ لا أحد يفتحه. كان الليل ثقيلًا، لا من شدة البرد فقط، بل من الصقيع الذي بدا وكأنه يحمل نية...
(1) النداء الأول: ثوبها وشراعي طرّزتُ أحلامي على أطرافِ ثوبها البالي، وغزلتُ من خيوطه شراعي، ومن نورِ قلبها نسجتُ مصابيحَ دربي في الليالي. حملتُ الرحيلَ على كتفي، وقادتني، بلا أقدام، أقداري. أُنازع حضنَها الدافئ، وتبعثرني المنافي، وترسم حلمي أوهامي. تُثقِل كاهلي الأيام، وترميني إلى حتفي...

هذا الملف

نصوص
19
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى