إبراهيم حالي - جورجيت.. والانتظار الذي لا يتعب.

في مدينةٍ ساحلية تهدهدها الأمواج، وتغسل شوارعها رائحة الميناء والملح، كانت “جورجيت” تمشي، لا تزال ممشوقة القوام، بيضاء البشرة، شعرها الذهبي المائل للبني ينسكب كشلال على كتفيها العريضين. ترتدي تنورة سماوية وبلوزة من نفس اللون، كأنها على موعد مع حبيبٍ غائب، أو أن الجمال والأناقة قررا ألا يفارقا جسدها، رغم أنها تجاوزت السبعين.

هي ليست مجرد امرأة، بل معلم من معالم مدينة بورتسودان. كأنها منارة أو صومعة غلال. يراها الناس كل يوم في السوق الكبير، تجمع أوراقًا متطايرة من الأرض، تضمها إلى صدرها بعد أن “تقرأها” بعينين تترقرق فيهما الدموع. تبتسم، تبكي، ثم تضحك فجأة وتردد بصوتٍ مملوء شغفًا:

“فريد… فريد حبيبي، فريد جاي… فريد راجع، وح يعرسني.”

يضحك بعض المارة، ويهمس آخرون:
“دي جورجيت، العاشقة المجنونة، منتظرة فريد من خمسين سنة!”

كانت تجيب على من يسألها بودّ مكسو بالحنين:

– أزيك يا جورجيت؟
– أهلاً.
– أخبار فريد شنو؟
– رسل لي جواب، وقال جاي.
– وماشّة وين؟
– ماشّة الميناء أستقبلو.
– والعرس متين؟
– قريب، قريب إن شاء الله…

ثم تلوّح لهم بيدها وتتابع السير، تبحث عن أوراق جديدة في الطرقات، تبحث عن أثر فريد، أو خطاب آخر منه.

قيل إن جورجيت من أصول إغريقية ، أشبه بعروس بحر خرجت من أسطورة قديمة، أو ربما كانت حورية هاربة من جنان الرحمن، فعاقبها الله بانتظار لا ينتهي.

حين كانت شابة، تسابق الخطّاب على باب بيتها. تجار، مغتربون، أساتذة، طلاب… لكنها رفضت الجميع دون تردد، وكأنها كانت على موعدٍ مع رجلٍ بعينه. رجل اسمه فريد.

جاء فريد من الضفة الأخرى للبحر، بحّارًا على سفينة رست يومًا في ميناء المدينة. كان أنيقًا، طويل القامة، عيناه تتأملانها كما لو كان يرى ملاكًا بشريًا. سقط قلب جورجيت في شباك حبه كما تقع الذبابة في خيوط عنكبوت. عاشا أيامًا من العشق الخالص، ثم غادر فريد، ووعدها:

سأعود..وسأتزوجك.

لكن فريد لم يعد. أو ربما لم يستطع. السفينة منعت من الرسو مجددًا، والظروف حالت دون لقائهما. لكنها صدّقت أنه يكتب لها، يراسلها عبر البحر، عبر السمك، عبر أوراق الطريق المتناثرة.


أمام “جمعية سائقي اللواري”، بجوار كافتيريا “فلفلة”، كانت جورجيت تمر كل صباح. هناك، يجلس السائق عبد الصادق دوكة ورفاقه من المعاشيين.

جورجيت!
أيه؟ عايز ايه ؟
تعالي اقعدي.
تردّ:
لا، مستعجلة والله.
بس شوية. الأوراڤ دي منتظراك.
تسحب كرسيًا وتجلس. يضحك دوكة:
كان أحسن ليك تعرسيني بدل ما تنتظري فريد.
فترد ساخرة:
أعرس إنت؟! بعينينك اللي زي كشافات اللوري؟
تتعالى الضحكات، ثم تقول بجدية:
أنا غير فريد ما بعرس راجل تاني.
يسألها دوكة:
وترجيه لمتين؟
فريد مشى قريب، لكنه بيرجع.
تنحني، تلتقط ورقة من تحت الكرسي، تقرأها بعينين تغرورقان، فتغرق في حلمها مجددًا، وتنسحب بهدوء.
جورجيت! اقعدي شوية! ماشّة وين؟!
لكنها لا تسمع، فقط تسمع صوت فريد في ذهنها، يهمس من وراء الموج:
حبيبتي جورجيت… اشتقت لكِ. لا أحتمل هذا الفراق. أحاول أن أجد عملاً على سفينة أخرى، وسأعود لأتزوجك. انتظريني.”

في صباحٍ رمادي هادئ، وُجد جسد جورجيت مسجي على الشاطئ، بعناية غريبة. وجهها يشع نورًا، ترتسم عليه ابتسامة خفيفة، شعرها الذهبي مبعثر على الرمال كأن البحر تزيّنه لها.
قال أحد البحارة القدامى في قهوة “الكافاب” علي الشاطئ إنه رأى الدلفين “أبوسلامة” يحملها على ظهره تلك الليلة، تتبعه الدلافين، القروش، والأسماك. موكب جنائزي مائي مهيب. حتى الحوت، الذي لم يقدر أن يصل الشاطئ، وُجد منتحرًا قرب جسدها.
ماتت جورجيت واقفة، كما تموت الأشجار، دون أن تنحني.
ربما التقت فريد أخيرًا، في مكانٍ آخر، حيث لا موانئ تمنع اللقاء، ولا بحار تُغلق في وجه الحب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى