ابراهيم حالي - ١تي تي.. زهرة الكتيبة ونحلة الحرب

خرجت من الكوخ كما تنبت زهرة عنيدة من بين الصخور، تحمل معها عبيرًا يوقظ الحواس وخطوات بالكاد تلامس تراب الأرض، كأنها انسكاب من نور الفجر. خُيّل إلي أن الأرض تحتفل بمقدمها، وأن أنفاس الريح ترقص بين شذى عطرها.

كانت قصيرة القامة، رقيقة الملامح، لا تُقاس بجمال مألوف، بل بجمال يلمس الروح ويبهر العين ويربك القلب. أنوثتها تتدفق كما تتدفق الشلالات من قمة الجبل، وعندما تتحدث، يبدو صوتها كأنه مقطوعة موسيقية دافئة في ليلة شتوية طويلة.
الكل كان معجباً بها إلا ان رفيقنا احمد كان متيماً بها حد الجنون ،إلا انه كان خجولاً ولم يجرؤ علي ان يصارحها .
في المعسكر، كان الجميع يتساءل: كيف وصلت هذه الغزالة إلى مكان ناءٍ، بلا كهرباء ولا ماء، وسط أكواخ مهترئة ورجال مغبرّين بوجوه متشابهة؟ كانت مثل زهرة نبتت وسط الأشواك، لكن قوانين الحرب لا تعترف بالمكان المناسب للزهور.

كانت تي تي تعمل مع مجموعة صغيرة تدير شؤون الكتيبة. لا تحب ارتداء الزي العسكري، وغالبًا ما تجلس على طاولة خشبية قديمة، تسجّل أسماء الجنود في دفتر مهترئ، وأسماء الشهداء في دفتر آخر أكثر بؤسًا.

لم نمكث هناك سوى أسبوع. جئنا من الساحل الشمالي لدولة جارة، نقاتل نيابة عن معارضيها ضد حاكمها، نحصد أرواحًا لا نعرفها، ونهجّر قُرى من الفلاحين والرعاة الجوعى.
وفي مساء صيفي عاصف، صدر الأمر بالتحرك.

حُشرنا في الشاحنات كما تُحشر الخراف في الزرائب. قضينا الليل مكدّسين فوق بعضنا كالبضائع التالفة ، ومع ظهور أول خيوط الصباح، لفحت وجوهنا نسمات العاصمة الباردة. سرعان ما تجاوزناها نحو الجنوب، " بوابة الجحيم" على حدود الجارة اللدود. هناك استقبلتنا المدافع، والمكان يزفر رائحة البارود والدماء ، و يرتج بدوي المدافع واصوات لرصاص وأزيز الطائرات ضاع بينها صراخ الجرحى.

لم نلتقط أنفاسنا قبل أن نجد أنفسنا وسط المعركة. الرصاص يحصد الرفاق كما تحصد النار الحشائش اليابسة. ورغم ذلك، واصلنا التقدم، حتى لحق بنا أفراد الإدارة لسد النقص، وكانت تي تي بينهم.

هذه المرة كانت بزيها العسكري، خزن الرصاص على خصرها، وقنابل معلقة، وعلى كتفها بندقية “برين ”. اقتربت مني بابتسامة ثابتة، وهمست:
“اليوم سنكتب أسماءنا في دفتر المنتصرين، لا في دفتر الشهداء.”

وقبل ان أستفيق من دهشتي كانت تتحرك بين خطوط النار بخفة نحلة، تقاتل بشراسة، وتضحك وسط لعلعة الرصاص. كانت عاصفة من الجرأة.

عندما لاح الفجر تفاجأنا بوقوعنا في كمين في سهل تحيط به جبال ، وفُقد قائد الكتيبة ومساعده. كان أمامنا وادٍ ضيق مكشوف، مخرجنا الوحيد. قفزت تي تي إلى تل قريب، وبصوت ثابت قالت:
“سأشغل العدو، انسحبوا بسرعة.”

اندفعنا عبر الوادي، والرصاص يلاحقنا. وبعد أن قطعنا مسافة،بعد ان تجاوزنا الخطر لمحناها قادمة نحونا، فارتفعت الزغاريد وطلقات الفرح. ركض أحمد وسيوم لاستقبالها، و عندما اقتربا منها فجأة، ارتمت على صدر احمد؛ رصاصة غادرة اخترقت رأسها من الخلف، وأخرى شقت جبهته، فسقطا معًا، واختلط دمهما في التراب.

ظلا هناك، على تراب الفجر الملطخ بالدم، كزهرتين قُطفتا بقسوة وهما في أوج تفتحهما، بعد أن نبتتا بعناد وسط الصخور، ونمَتا بين الوحوش.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى