إبراهيم حالي - حينما تهاوي الظرف من النافذة ...

كان البرد يهبط بصمت، زاحفًا بين الأبنية الرمادية كضيف ثقيل لا يُرحّب به.
والمطر يتساقط بإيقاعٍ رتيب، يغسل الأرصفة والنوافذ، لكنه لا يداوي شيئًا مما في داخله.
الهواء نظيف وبارد، لكنه لا يحمل ذرّة طمأنينة إلى قلبه الموجوع.

لم تكن الساعة قد تجاوزت الرابعة عصراً ، لكن المدينة بدت وكأنها استسلمت لظلامٍ مبكر.
جلس في حانة “تمسقن”، تلك البقعة الصغيرة على حافة شارع جانبي قرب محطة القطار.
كان يأتيها بعد كل يومٍ مرهق، ليشرب، وليسرّب شيئًا من غصّته المتراكمة.

طلب زجاجة البيرة الأولى، ثم الثانية، فالثالثة…
لم يكن ثملًا، كان فقط يحاول أن ينجو من الغرق في صمته.
ومن خلف زجاج البار المبلل، راقب المارّة: وجوهٌ كثيرة، مختلفة، أقدام تعبر مسرعة أو تتسكع بلا وجهة.
أوروبيون، أفارقة، غرباء من كل لون ولسان.
بعضهم يتسوّل، بعضهم يسحب حقائبه، وآخرون يترجّلون من حافلاتٍ خضراء تقف قبالة الحانة.

“فليكس بوص”…
إحدى تلك الحافلات ستغادر قريبًا، وستأخذه إلى مدينته القديمة؛
مدينة صغيرة، تبعد ثلاث ساعات، حيث يعيش أطفاله الذين لم يرهم منذ أكثر من ثلاثة أشهر.

اشتاق إليهم…
إلى أصواتهم، إلى شغبهم، إلى فوضى أحذيتهم الصغيرة في الممر.
لم يتخيّل أن يكون أبًا يشتهي لقاء أطفاله كما يُشتهى الغائب البعيد.
أن يتحوّل اللقاء من طبيعي إلى استثناء، يُقاس بالمواعيد، والموافقات، والمحاضر الرسمية.

حين قرّر الهجرة، لم يكن يفكّر إلا في شيء واحد: مستقبلهم.
أراد أن يمنحهم تعليمًا جيدًا، سقفًا آمنًا، وجواز سفرٍ يفتح الأبواب المغلقة.
لكنه، في سباقه مع الزمن نحو المستقبل، نسي ما هو أقرب.
نسي أن يختار لهم أمًّا تقف معه، لا ضده.

لم يكن يعرف أن الطلاق في أوروبا لا يشبه طلاقات بلاده.
ولم يتصوّر أن نساء وطنه قد يتحوّلن إلى أفاعٍ سامة في القارة العجوز.
هنا، القوانين تحيط الطفل بعناية، كما تُعتنى بالزهرة الهشّة.
أما هو، فلم يكن أكثر من “أب أفريقي غاضب”، أو مجرّد ورقة في ملف الشؤون الاجتماعية.
“هو إنسان، نعم… لكن فقط على الأوراق الرسمية.”

في نظراتهم، هو متّهم مسبقًا بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وأوّلها: انتهاك حقوق المرأة.
قاسٍ وظالم، حتى يُثبت العكس… والعكس لا يُثبت.

أوروبا عادلة، لكنّها لا تستأمنك على أطفالك!
الأوروبي يظن نفسه أرحم من الأب اللاجئ على أولاده.
وهم يعرفون كيف يحمونهم منك: من غضبك، من عصبيتك، من إرثك الثقيل القادم من الغابة.
الغابة التي يرونها كامنةً فيك، حتى إن ارتديت معطفًا ثمينًا وتحدثت بأدب جم.

فكّر في كل ما خسره دون أن يدري.
لم يكن بحاجة إلى قاضٍ ليخبره أنه فقد أبناءه، وكأنهم سقطوا منه على طاولة قمار دفعة واحدة.

المدن الصامتة هنا تعرف هذا النوع من الآباء…
الذين يمشون إلى الحانات بدل البيوت،
يشترون البيرة بدل الهدايا،
ويتحوّلون إلى مجرمين حين لا يحتملون مرارة الصبر.

إنها لعبة محزنة، لكنها متقنة… مع سبق الإصرار والترصّد.

في جيبه ثلاث شوكولاتات، وعلبة “ليغو” رخيصة، ودفتر رسم.
لم يكن يملك أكثر من ذلك،
لكنه ظنّ أن القلب وحده يكفي ليرمّم ما أفسدته المسافات والغربة.

عندما نزل من الحافلة، كانت السماء قد توقفت عن المطر،
لكن البلل ظلّ على الأرصفة، كأن المدينة لم تجفّ من حزنها القديم.

مشى نحو الحيّ، يجرّ قدميه فوق ذكريات مبتلّة لم تجفّ،
يحاول أن يرسم على وجهه الشاحب ملامح فرح، لا يصدقها أحد.

أمام باب العمارة، تردّد طويلًا. ثم ضغط زر الجرس.

مرّت دقائق ثقيلة علي قلبه التي تسارعت فيه نبضات الاشواق.
لا أحد فتح.
ضغط مجددًا. مرة، مرتين… وفي الثالثة، جاءه الصوت البارد الذي يعرفه جيدًا:

مين ؟
أنا…
الوقت غير مناسب. الأطفال نائمون.

ثم انقطع الصوت.
وفي اللحظة نفسها، تهاوى من إحدى النوافذ ظرف.
التقطه بسرعة، ووضعه في جيبه، متحيرًا.

ظل واقفًا أمام الباب، مشدوهًا.
لم يأتِ في منتصف الليل. كانت الساعة الثامنة والنصف مساءً.
أيّ طفلٍ ينام في هذا الوقت من عطلة نهاية الأسبوع؟

تحسّس جيبه، أخرج الظرف، فتحه تحت إنارة عمود الشارع، وقرأ:

“قرار من المحكمة بحرمانه من رؤية أطفاله،
ومن عدم الاقتراب من مسكن طليقته لمسافة عشرة كيلومترات.”

صُعق.
كالكهرباء ضربته الصدمة. كاد يفقد وعيه.
ترنّح، اتكأ على العمود، ثم انفجر بالبكاء… بصوتٍ مسموع شق سكون الليل .

من النوافذ، أطلت وجوه عدة: رجال، نساء، أطفال.
وفي نافذةٍ بعيدة ومن خلف الزجاج، أطلت طليقته ،
نظرت اليه بانتصار مقيت ،
وابتسمت بشماتة وتشفي وحقدٍ دفين ،
ثم أسدلت الستارة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى