إبراهيم حالي - اعترافات آخر الليل...

عندما رحلتُ، كنتُ أُوهم نفسي بالنصر،
رفعتُ رأسي مزهوًّا،
كفارسٍ خرج من معركةٍ ظافرًا،
ولم ألتفت إلى وجعها
الذي تحجّرت عليه دموعها،
ولا إلى تلك الأشواق
التي كانت تتشبث بثيابي
كطفلٍ ضائعٍ في زحام الفقد.

خلفي، في الماضي القريب،
كانت ذكرياتنا تتنفّس
عطر البنفسج على مهلٍ
في زوايا مساءات المدينة العتيقة،
تحاول أن تنعش ذاكرتي،
لكنني مضيت.

تجاهلتُ طعم القُبل،
تلك القبل التي ما زالت عالقةً على شفتي،
بطعم عبير البنفسج
الذي ظلّ يلاحقني من مواسم حبّنا القديمة.
حتى الطرقات المبللة التي شهدت خطواتنا
بدت كأنها تبكينا بصمتٍ ثقيل.

رحلتُ مزهوًّا بأناقـتي ووسامتي،
أحمل جسدًا ميتًا،
كمن يرفع راية الغرور خفّاقة
فوق أطلال معبدٍ مقدّس،
معبدٍ بناه الحبّ على مدى سنوات
على أرصفةٍ كانت تحاكي دقّات قلبينا.

كنت أظنني أبدأ عهدًا جديدًا،
لكنني في الحقيقة كنت أهدم
آخر ما تبقّى من ظلالي القديمة.
حوّلتُ ملاذنا إلى ركامٍ بارد،
ومكبٍّ لنسيان الجمال،
كمن يمحو كوخًا دافئًا من الذاكرة
ليفتتح قصرًا من الوهم
يرقد على الجحيم.

كانت هناك…
واقفةً في صمتٍ مهيب،
كأنها ماردٌ لا تهزّه العواصف،
شامخةً رغم الهزيمة،
صامدةً رغم النصل
الذي غرسه غدري في خاصرة قلبها.

لم تنطق،
لكن عينيها كانتا تقولان كل شيء:
“لن يموت من يفقد الحب،
بل من يفقد نفسه.”

ظننت أني انتصرت،
لكن الهزيمة كانت تسكنني.
كنت أمشي في الشوارع بقلبٍ لا ينبض،
أمارس الحياة كما تمارس الدمى دورها
في مسرحٍ من الخشب.

كلما حاولت أن أرفع رأسي بالكبرياء،
أسقطتني الحياة على ركبتيّ.

اليوم، حين أنظر خلفي،
لا أرى سوى الرماد والحطام.
أدرك أنني لم أرحل عنها،
بل رحلتُ عن نفسي.

كنتُ أحب…

لكن متأخرًا جدًا،
بعد أن صار قلبي حطامًا
على تابوتٍ
من رفات معبدي المتوهّم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى