وُلد عتريس الأهوج في قرية نائية لا تعترف بها الخرائط، ولم ترصدها الأقمار الصناعية، وباسمٍ عجزت المعاجم عن نطقه.
قيل إنه وُلد في موسم أغار فيه الجراد على المحاصيل، وكأن قدومه جلب الشؤم فأصابته العنة الجوع والنهم .
هيئته المتخمة وملامحه الممسوخة ظلّت عالقة في ذاكرة أهل القرية، الذين لم يجدوا له لقبًا أنسب من: أشعب الآكول.
كان أهل القرية بسطاء، يقتاتون مما تجود به الأرض. أمّا هو فلم يعرف شهوة غير شهوة بطنه.
لم يُحبّ إلا كرشه المنتفخ كظهر سلحفاة، يربّت عليه بعد كل وليمة كأنه يؤدي طقسًا مقدّسًا، ثم ينام في مقعده فاغرًا فاه.
سألته أمّه مازحة ذات مرة:
أتحبني أم تحب الأكل؟
فأجاب وهو يمضغ بنهم :
طبعًا الأكل.
ندمت على سؤالها، إذ لم يخذلها في صدقه الفظّ.
يتسلّل عتريس إلى الأعراس والمآتم كما تتسلّل الجرذان إلى خزانات المؤن.
لا يسأله ضمير عن صاحب المائدة؛
المهم أن يُسكت نداء بطنه الذي لا يعرف الشبع.
ثم جاء الصيف العاقر: جفّت الجداول، ذبلت السنابل، وغابت الولائم. ترك المدرسة، لا يرى في الكتب إلا ولائم فارغة، يلهث وراء يلعقها اكما يلعق كلب بوليسي احذية العسكر.
وحين لم يُشبع التسوّل جوعه، زحف نحو المدينة يجرّ بطنه بحثًا عن موائد تبقيه متخّمًا.
هناك التقطه رفاق قدامى، وأوهموه بأن في صفوف الثائرين ولائم لا تنقطع.
سرعان ما اكتشف موهبته هناك:
يبيع الولاء لقاء وجبة، ويفشي الأسرار لقاء رغيف. صار مخبرًا على رفاقه، يقتات من موائد آلامهم خفية.
ومع تضخّم التنظيم وتغوّله على الدولة، تضخّمت كِرش عتريس، وتكاثرت الموائد:
موائد المسؤولين، حيث تسبق عيناه العيون وتلتقط أذناه الكلام قبل أن يُقال؛
موائد المعتقلين، حيث يلوك الكذب كما يلوك الخبز مقابل فتات يتركه أهل الضحايا؛
موائد الابتزاز، حيث يقتات من خوف الناس كما يقتات الطفيلي من الجسد.
ظلّ عتريس يلتهم ما يُقدَّم وينتزع ما لم يُقدَّم، كأنما خُلق ليجلس عند المائدة.. لا ليغادرها.
وكأن الموائد خُلقت لتسكب في جوفه كما تسكب في بئر بلا قاع.
كان الفراغ فيه يتضخّم ويملأ قلبه مع كل لقمة..
حتى صار الفراغ أضخم من كرشه، وأشدّ فتكًا من جوعه.
قيل إنه وُلد في موسم أغار فيه الجراد على المحاصيل، وكأن قدومه جلب الشؤم فأصابته العنة الجوع والنهم .
هيئته المتخمة وملامحه الممسوخة ظلّت عالقة في ذاكرة أهل القرية، الذين لم يجدوا له لقبًا أنسب من: أشعب الآكول.
كان أهل القرية بسطاء، يقتاتون مما تجود به الأرض. أمّا هو فلم يعرف شهوة غير شهوة بطنه.
لم يُحبّ إلا كرشه المنتفخ كظهر سلحفاة، يربّت عليه بعد كل وليمة كأنه يؤدي طقسًا مقدّسًا، ثم ينام في مقعده فاغرًا فاه.
سألته أمّه مازحة ذات مرة:
أتحبني أم تحب الأكل؟
فأجاب وهو يمضغ بنهم :
طبعًا الأكل.
ندمت على سؤالها، إذ لم يخذلها في صدقه الفظّ.
يتسلّل عتريس إلى الأعراس والمآتم كما تتسلّل الجرذان إلى خزانات المؤن.
لا يسأله ضمير عن صاحب المائدة؛
المهم أن يُسكت نداء بطنه الذي لا يعرف الشبع.
ثم جاء الصيف العاقر: جفّت الجداول، ذبلت السنابل، وغابت الولائم. ترك المدرسة، لا يرى في الكتب إلا ولائم فارغة، يلهث وراء يلعقها اكما يلعق كلب بوليسي احذية العسكر.
وحين لم يُشبع التسوّل جوعه، زحف نحو المدينة يجرّ بطنه بحثًا عن موائد تبقيه متخّمًا.
هناك التقطه رفاق قدامى، وأوهموه بأن في صفوف الثائرين ولائم لا تنقطع.
سرعان ما اكتشف موهبته هناك:
يبيع الولاء لقاء وجبة، ويفشي الأسرار لقاء رغيف. صار مخبرًا على رفاقه، يقتات من موائد آلامهم خفية.
ومع تضخّم التنظيم وتغوّله على الدولة، تضخّمت كِرش عتريس، وتكاثرت الموائد:
موائد المسؤولين، حيث تسبق عيناه العيون وتلتقط أذناه الكلام قبل أن يُقال؛
موائد المعتقلين، حيث يلوك الكذب كما يلوك الخبز مقابل فتات يتركه أهل الضحايا؛
موائد الابتزاز، حيث يقتات من خوف الناس كما يقتات الطفيلي من الجسد.
ظلّ عتريس يلتهم ما يُقدَّم وينتزع ما لم يُقدَّم، كأنما خُلق ليجلس عند المائدة.. لا ليغادرها.
وكأن الموائد خُلقت لتسكب في جوفه كما تسكب في بئر بلا قاع.
كان الفراغ فيه يتضخّم ويملأ قلبه مع كل لقمة..
حتى صار الفراغ أضخم من كرشه، وأشدّ فتكًا من جوعه.