إبراهيم حالي - من قلب قارة جيفارا وموطن ماركيز

لم يأت من الشرق الأوسط ولا هو من الناطقين بالعربية ولم يعتنق الإسلام يوماً لكنه اعتنق الإنسانية قبل كل شيء .
من قلب أمريكا اللاتينية، يأتي من لا يحمل رتبة “باتيستا” ولا قمع “بينوشيه”، ولا أطماع القوى الكبرى، بل يحمل إرث جيفارا الإنساني العابر للقارات ،وقلب ماركيز .

حين اختار جيفارا البندقية في زمن الثورات، لم يكن عاشقًا للعنف، بل كان طبيبًا وصوتًا للإنسان في عالمٍ لا يُصغي إلا لصوت الرصاص.
وعندما أُعدِم بتهم زائفة، كانت الإنسانية هي الضحية الحقيقية، وهي من نحرت علي دماء وريده.
قتل باسم القانون، لكنه في جوهره قتلٌ للعدالة، للكرامة، ولأمل الشعوب.

ومن هناك، من القارة التي أنجبت جيفارا ومن موطن ماركيز الذي كتب رواية كاملة في صمت مقتل رجل واحد ،"فكيف يصمت مواطنه غوستافو بيترو عن الإبادة الجماعية ،خرج كما يخرج النور الي الظلام وسط الوجوه الرمادية ،صعد الي منصة الأمم المتحدة، عاريًا من الزينة، نقيًا من الزيف، صادقًا كالبياض ،بلا ربطة عنق أو هندام رسمي، مرتدياً قميصًا وبنطالًا أبيضين، كأن السلام نفسه هو لباسه، والحق جوهره لا الخنوع و الاستسلام.

صعد المنبر وقال ما لم يجرؤ احد عل قوله من قبل في وجه سادة العالم ،القي كلمته التاريخية التي لم يكتبها او يختار مفرداتها بعناية او ينمقها كما تفعل الوفود ،كلمة نطق بها قلبه قبل لسانه ،كلمة ستُكتب في دفاتر مظاليم الإنسانية، رغم محاولات السادة تجاهلها و طمسها .
لم يكتفِ بالكلمة، بل قاد تظاهرة في قلب نيويورك، ملوّحًا بالحق كما يلوّح بروحه على كفه، متحديًا العالم بصمتٍ وجرأةٍ لا يعرفها إلا من يؤمن بالإنسانية،او كما قال :ان كل الشعوب هي شعوب الله المختارة ،وليس هناك شعب افضل من آخر.

ولم يكن رد القوى الإمبريالية إلا محاولة لإسكات صوته كما اعتادوا علي خنق الاصوات وقتل الاحلام قبل أن تولد .
الغوا تأشيرته كشخصٍ غير مرغوب فيه، واتهموه بالتحريض على العنف، بينما عنفهم يحصد ارواح الأبرياء حول العالم، بصمتٍ مقيت ودبلوماسية باردة.
قتل بالرصاص، موتٌ بالتجويع، موتٌ بالمقاومة..لكنه في النهاية موت واحد، لا ألوان له ولا أسماء.

أما كولومبيا، فقد قطعت كل علاقاتها مع الكيان، بما فيها الاقتصادية، فاختارت أن تقف إلى جانب الإنسانية، رغم حاجتها الماسة لكل دعم، لتعلن أن الحق لا يُقاس بالمصلحة، بل بالشجاعة والضمير الحي .

وفي عالم مزيف، لا يتحمل كلمة حق من ثائر في وجه الظلم ،لكنه يتحمل مشاهدة "احداث موت معلن "يبث آلاف الأطفال تحصدهم آلة الحرب الهوجاء على الهواء مباشرة، وهم يتناولون إفطارهم بدمٍ بارد كبرودة الجثث حين تفارقها الحياة .
صوت غوستافو بيترو شاهداً، وحركةً صادقةً، على أن الإنسانية لا تموت بصوت القنابل ولا يحجبها دخان الانفجارات ولن تدفن تحت الركام ، طالما هناك من يحملها في قلبه ويلوح بها بكفه، ويجرؤ على الوقوف عارياً إلا منها ليلقيها في وجه عالم قوي ظالم وضعيف خانع و متواطئ .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى