أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٩ أيار من كل عام

١
كلنا يا عزيزي سلمان ... كلنا خاب أمله :
أنت خاب أملك وأنا خاب أملي واللاجئون خاب أملهم . أدبنا بعد أوسلو كله أدب خيبة . وربما ونحن الآن على أبواب الستين يخيب أملنا حتى من الجسد .
كنت أود أن أكتب عن حلم الليلة الماضية .
ما زالت حالتي الجسدية ليست على ما يرام . أنا ضجر ولا شيء يسر . أحوال الشام تحزنني . المقربون الذين ينحرون البقرة يريدون لحمها وحليبها .
الليلة وجدتني في بيت طه حسين معه .
صباحا صعدت ، في المنام ، إلى الحافلة ، وكنت مع الصديق أحمد دحبور وطلب مني أن أخرج من عزلتي ، وفي الصباح رأيت دعوة منه للمشاركة والكتابة على سكايب .
أنا ضجر جدا . وخائب جدا أيضا . هل أنا بقرة الآخرين ؟
اليوم أرسلت مقالي عن رواية " ساق البامبو " لسعود السنعوسي . طبعا أرسلته للأيام الفلسطينية لا لسعود ، فأنا لا أعرفه .
2013
٢
يافا أم الغريب،المدينة التي كان أهلها يتركون أبواب بيوتها بلا مفاتيح ، كما يقول أبو صبحي ، كانت مدينة مهنتها تصدير برتقال ،كما كتب راشد حسين ، وغدت مهنتها تصدير لاجئين .
يافا كما كتب أيضا راشد ، مدينة مداخن الحشيش فيها توزع الخدر ، هكذا أراد الإسرائيليون لها...ترى لو كنت أقيم فيها فما هو طقسي اليومي الذي سأمارسه ؟
في نابلس أذرع كل نهار البلدة القديمة ، ومن المؤكد أنني لو كنت في يافا لكان البحر المكان الذي ستقودني قدماي إليه ، ولكن...أبو صبحي يقول :
- صرنا كالأيتام على مأدبة اللئام ،ومثل مؤمن يقول :
- اشتم أبي وأهلي وأمي ولكن :إياك أن تشتم يافا،فلن أسامحك لهذا،وقد أسامحك إن شتمت أبي وأهلي.
هذا تقرير عن يافا قدمته الصحفية زينة صندوقة،ونشكرها،فقد رأينا يافا ولو عن بعد،،،وجزء من مقالي الأحد عن يافا
2014
٣
المقهى كقاعة جامعية :
أطرف ما سمعته اليوم في مقهى البرلمان " اللي بفهم للقرش مش أهبل ".
تحدث الحضور عن شخصين ضرب أحدهما الآخر ، لأنه كان يزعجه بصفيره ، ولم يسكت المضروب إلا بعد أن شوكله الضارب - أي أعطاه الضارب - بعض شواكل .
9 / 5 / 2016
٤
يوسف والذئب وإخوته :
في كل أسرة ستجد يوسفا وستجد إخوة يلقونه في بئر ما . هل أخطأ الشاعر حين كتب :
" أنا يوسف يا أبي ، إخوتي لا يحبونني " ؟
مرة كتبت عن القصيدة وما كتبته أدرجته على صفحة النجاح تحت عنوان :
" قراءة في أربع قصائد من ديوان محمود درويش " ورد أقل " .
من هو يوسف في القصيدة ؟
مرة أذاعت دار الإذاعة الإسرائيلية القصيدة مغناة بصوت مارسيل خليفة .
إسرائيل هي يوسف الذي يريد العرب التخلص منها .
لقد صدقت رؤيا يوسف / إسرائيل وها هي أكثر الدول العربية تخر لها ساجدة .
- حسب مقولة ( هانز روبرت ياوس ) فإن المنعطفات التاريخية تؤدي إلى قراءة النصوص قراءة جديدة - سبحان الخالق وما شاء الله .
2017 / 5 / 9 .
٥
دقة الترجمة وعدم دقتها :
لطالما مدحت - بالمبني المجهول- ترجمة أنطون شماس لرواية إميل حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " إلى العبرية .
مرة أشرت إلى الترجمتين الإنجليزية والألمانية والدقة فيهما من خلال ترجمة عبارة " كنت أحسبك حمارا فإذا أنت أحمر " وقلت إن ترجمة سلمى الخضراء الجيوسي أدق من ترجمة أنجليكا نويفرت وهارتموت فيندرش والستة الآخرين .
كيف ترجم أنطون شماس العبارة إلى العبرية ؟
في " خرافية سرايا بنت الغول " أورد إميل حبيبي سطرا وتحدى أنطون شماس أن ينقله إلى العبرية؟
مقالي الأحد في الأيام الفلسطينية عنوانه " ترجمة الترجمة : كسل المترجم " وهو بالتأكيد ليس عن أنطون شماس .
صباح الخير يا إلياس خوري .
9 آيار 2019
٦
الست كورونا ورؤية محمود الهباش ٧٦ :
صحوت أمس الجمعة في السابعة صباحا تنتابني حالة من الكسل قد يكون سببها توقع ما يحدث في يوم " الصيحة " ، وكنت كتبت عنه بعد أن جاءني شريط فيديو يشرح فيه شيخ عما سيحدث في الخامس عشر من رمضان إن جاء يوم جمعة ، علما بأنه جاءني منشور عصرا يقول إن ما بث وأعلن عن اليوم المذكور ليس صحيحا ، وهكذا حمى الله مائتي وعشرة آلاف من العمى والطرش والصمم .
كانت الشمس تشع وكان الجو حارا ، وناداني شباك المطبخ كي أنظفه ، فهو الشباك الوحيد الذي بقي على حاله ، وعندما فعلت شكرني وسبح بحمد الله ، فقد صارت الكورونا بعيدة عنه كل البعد .
ماذا أفعل يوم الجمعة حيث لا أخرج من البيت ؟
أصغيت إلى " يوتيوب " تتحدث فيه ممرضة بريطانية عن سلب الحريات الشخصية في بريطانيا بحجة " الكورونا " وقد قالت كلاما خطيرا ، وكنت أدرجت الشريط على صفحتي ليومين ثم حذفته ، وعقبت عليه ذاهبا إلى أنه أخطر شريط سمعته منذ بداية الحجر الصحي . إنه شريط خطير جدا جدا جدا جدا ، ولأول مرة أكرر كلمة " جدا " وصرت مثل إخواننا المصريين .
تقول الممرضة إن القانون الجديد سيطبق ابتداء من ٢٧ نيسان ٢٠٢٠ وأنه ما إن يشتبه بك على أنك مصاب ، وأنك ستنقل العدوى ، فأنت معرض للاعتقال ، بل إن أسرتك كلها معرضة كذلك ، وكذلك أشياؤك كلها من الأثاث إلى السيارة إلى المنزل ، ويحق للدولة أن تصادر هذه كلها ، ويحق لها هدم المنزل ولا يحق لك الاعتراض ، والوحيد الذي يبت في الأمر هو القاضي ، ويطبق القانون على الجميع باستثناء الأسرة المالكة وجلالة الملكة ، وإذا ما رفضت أخذ اللقاح فستغرم ٥٠٠٠ جنيه وكلما تأخرت في الدفع دفعت غرامة مالية . لا حريات شخصية فالدولة مسؤولة عن صحتك ، وقولوا إن العرب لم يكونوا سباقين وإن الحاكم العربي كان متخلفا حين كان يرى المواطنين رعايا له وجزءا من ممتلكاته .
العالم فاض بالبشر وامتلأ وثانية أكتب سطر مظفر النواب " والبلاد إذا سمنت وارمة " .
انتهى يوم الجمعة ولم تكن هناك صيحة ، ولكن كان هناك ما هو أطرف ، وهو ما عمم عن رؤية رآها السيد محمود الهباش وزير الأوقاف الفلسطيني السابق في السلطة الفلسطينية .
أحد الأصدقاء حول إلي صورة للسيد الهباش أعلاها كتابة عن رؤية رآها ، فماذا رأى الوزير السابق على ذمة ما وصلني ؟
رأى الهباش أنه رأى في المنام رجلا أبيض الشعر يرتدي دشداشة بيضاء ويسير في بستان ، وقد أخبر هذا الرجل الهباش بأن الكورونا ستنتهي قريبا . من هو هذا الرجل الذي رآه الرائي ؟ إنه أيوب الفلسطيني الرئيس محمود عباس .
شباك المطبخ ، وهو شباك المطبخ والصالون معا ، إذ فتحت الصالون على المطبخ على النظام الأميركي ، شاف أيضا شوفة . شاف وجه ربه ، ولذلك بشرني بأن الكورونا ابتعدت عنه كثيرا . ومقالي يوم الأحد القادم عن الفلسطيني معشوقا . اللهم ارزقني أنا والرئيس محمود عباس ، في الجنة ، ومعنا السيد محمود الهباش ، سبعين حورية ، ورحم الله حورية أم محمود درويش . هل تذكرون قصيدة " تعاليم حورية " ؟
و
" اشتدي أزمة تنفرجي
قد أذن ليلك بالبلج " .
إنها رؤية الهباش كما عمم ، ولست متأكدا إن كانت الرؤية صحيحة أم أن هناك من انتحل القصة .
٩ / ٥ / ٢٠٢٠
٧
ذاكرة أمس ٥٤ :
" كل أفضالكم على الرأس والعين "
في الثاني من أيار مرت الذكرى الثمانون لوفاة شاعر فلسطين إبراهيم طوقان ( ١٩٠٥ - ١٩٤١ ) ، ولم يتذكرها إلا الصديق Ziad Ameireh ابن مدينة الشاعر ، فذكر بها معاتبا كيف لا نتذكر شعراءنا ، ومعه ، في عتابه ، الحق كل الحق .
وأمس وأنا أتابع ما يجري في الأقصى وباب العامود والشيخ جراح تذكرت أبياتا قالها الشاعر في الانتداب البريطاني ، ومنها :
" قد شهدنا لعهدكم بالعدالة
وختمنا لجندكم بالبسالة
وعرفنا بكم صديقا وفيا
كيف ننسى انتدابه واحتلاله
وخجلنا من لطفكم يوم قلتم
وعد بلفور نافذ لا محالة
كل أفضالكم على الرأس والعين
وليست في حاجة لدلالة
ولئن ساء حالنا فكفانا
أنكم عندنا بأحسن حالة
غير أن الطريق طالت علينا
وعليكم ، فما لنا والإطالة
أجلاء عن البلاد تريدون
فنجلو ، أم محقنا والإزالة "
والاسرائيليون على بساط بلدي أو أحمدي يريدون منا الجلاء عن البلاد ، ولكننا لا نريد أن نجلو ، فالشاعر الساخر أراد شيئا وقصد عكسه ، وهو ما تقوله قصائده الجادة :
" فكر بموتك في أرض نشأت بها
واحفظ لقبرك أرضا طولها باع " .
كم من أفضال لليهود علينا يقر بها عمال الأرض المحتلة والسواقون الذين حصلوا على رخص القيادة في عهد الاحتلال ، أيام كان حاييم اليهودي العربي اللبناني المتشدد في منح الرخص مسؤولا عن دائرة السير في نابلس ؟!
أمس أيضا تذكرت القاص خليل السواحري ومجموعته القصصية " مقهى الباشورة " وما ورد فيها عن الاحتلال على لسان الأستاذ سعيد يخاطب صاحب المقهى " أبو بلطة " :
- " الاحتلال مثل الفجل ، أوله منافع وآخره مدافع " .
وأخبار أمس في الإذاعات والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي كان منصبا على ما يجري في القدس وعن مدافع الاحتلال التي أخذت ترش المقدسيين مساء في باب العامود بالمياه حتى يتفرقوا . و " أبناء العمومة " " مش مصليين على موسى ولا على اي نبي " ويريدون القدس وجلاءنا عنها .
وأنا أقرأ في تعقيبات القراء والكتاب على ما كتبته أمس التفت إلى تعقيب الكاتبة المقدسية أ.نزهة الرملاوي ونصه :
" أنظر من الشرفة.. أنوار وابتهالات ورصاص وأناشيد .. عن يميني حي الشيخ جراح ومئات من الصامدين.. وأمامي الأسوار والحرم البهي وآلاف المصلين .....
رحماك ربي .. زوامير مركبات تصرخ في الأماكن.. جنود يحمون الدخلاء والله حامينا.. يهمشون وجودنا ويقمعون صلاتنا.. والحرم ينادينا .. غاز يسبح في فضائنا.. وطيور تفر من سمائنا .. طلقات مطاط تخترق أجسادنا .. ومياه عادمة ترهق أنفاسنا.. وتغرق المحتفلين في الطرقات وخلف واجهات المنازل..
لك الله وهمم الأوفياء يا أميرتنا..
ليلة رمضانية مقدسية بامتياز.. "
والحياة في نابلس أمس وفي شارع النصر كانت كما في الأيام السابقة ، وكما في الأيام السابقة أيضا لم تخل حياتنا من اقتتال عائلي على أشياء دنيوية ، فأول الأخبار في صباح أمس أتى على مقتل شاب في علار في شجار عائلي ، وآخرها كان ما أرسله إلي الصديق Khaleel Adnan :
" عاااااااجل
3 شجارات عائلية مندلعة في مدينة يطا الآن يا رب يستر " .
ورحم الله الشاعر عبدالله البردوني الذي قال في صنعاء :
" ماذا أحدث عن صنعاء يا أبت
مليحة عاشقاها السل والجرب "
وهاذان هما عاشقا فلسطين المليحة : الاحتلال والتخلف .
" أبانا الذي في السماوات " شو هالعيشة اللي صارت كلها نكد في نكد ؟
وباء وحصار وفقر واحتلال وحواجز وأمن وقائي ، واستخبارات تمتليء بها روايةسليم بركات التي أقرأ فيها .
٩ أيار ٢٠٢١ .
٨
لماذا تكون القصيدة بيضاء والأرض سوداء جدا :
الأدب المظلم والأدب المتفائل والأدب المتشائل
( مقالي لجريدة الأيام الفلسطينية في زاوية دفاتر الأيام ١٥ / ٥ / ٢٠٢٢ ) .
عادل الأسطة
وأنا أقرأ " البيوت " (٢٠٢٠) لوداد البرغوثي عدت بذاكرتي إلى كتاب جورج لوكاش " معنى الواقعية المعاصرة " والفروق التي أوردها بين مدرستين من مدارس الواقعية هما ؛ الواقعية النقدية الغربية والواقعية الاشتراكية وتأملت في نصوص روائية فلسطينية منها " أم سعد " لكنفاني و " المتشائل " لحبيبي و " عباد الشمس " أو" الميراث " لسحر خليفة أو " الجنةالمقفلة" لعاطف أبو سيف . بدا كنفاني متفائلا وحبيبي متشائلا وسحر متشائمة وأبو سيف كذلك . ولك أن تعد روايات عديدة وتتوقف أمام صورة المرأة الفلسطينية فيها ؛ " فرحة " لوليد الهودلي و" ما تساقط " لعفاف خلف و" حليب التين " و" خلسة في كوبنهاجن " لسامية عيسى ، ولك أيضا أن تنظر في روايات يحيى يخلف الأخيرة لترى الشعور بالخيبة فيها .
نزعة التفاؤل التي برزت في أدبيات المقاومة الفلسطينية منذ حزيران ١٩٦٧ وما تلاها تكاد تغيب عنها منذ الخروج من بيروت ١٩٨٢ وتوقيع اتفاقية أوسلو في ١٩٩٣ ، فالحلم بالتحرير والعودة إلى حيفا ويافا تضاءل وغدت فلسطين ضفة وقطاعا منقوصين أيضا ، تستوطن أراضي الضفة يوميا وتصادر ويحاصر القطاع حصارا عنيفا واللاجئون في المنافي يبحثون عن ملاجيء جديدة في أوروبا وكندا واستراليا وصارت لنا أحياء أشبه بالغيتوات في الدول الاسكندنافية التي غدت إحدى عواصمها عنوانا روائيا فلسطينيا .
تكتب وداد البرغوثي " البيوت " بروح كاتب ما زالت روحه تمتليء بالتفاؤل والإصرار والثقة بالمستقبل وتبدو قادمة من عالم ٧٠ القرن ٢٠ ، ونقرأها كما لو أننا نقرأ " أم سعد " كنفاني الذي كان يوم كتبها واثقا من المستقبل فانتهت روايته بعبارة دالة " برعمت الدالية يا ابن العم . برعمت " . وكان كنفاني يومها يشهد صعود نجم المقاومة الفلسطينية وكان متأثرا بالفكر اليساري الثوري الذي آمن بانتصار الشعوب ودحر الإمبريالية ودك حصونها ، وهو ما حدث في فيتنام ودول أخرى ، وقد قرأنا تنظيره لشعر المقاومة وتفسيره لنزعة التفاؤل التي برزت فيه .
تكتب وداد بتلك الروح فتنتمي روايتها إلى تلك الحقبة التي تكاد في كثير من أدبياتنا تتلاشى ، فالأرض سوداء جدا ، ولماذا إذن تكون القصيدة بيضاء ؟ والسؤال أثاره محمود درويش في " ورد أقل " (١٩٨٦) ونصه بالتمام " لماذا تكون القصيدة بيضاء والأرض سوداء جدا ؟" .
تكتب وداد بروح التفاؤل والثقة بالشعب وتصدر " البيوت " بما يعبر عن قناعتها هي شخصيا ، وهي لا تختلف عن قناعة بطلتها ياسمين عموما . إنها تثق بشعبها وتمدحه وترفض استدخال الهزيمة إليه وتشويهه " فنحن لسنا شعبا مهزوما " ومجتمعنا أصيل ويجب ألا نتعامى عن أصالته " لأن التعامي عن أصالة مجتمعنا وشعبنا فكرة ليست نزيهة ولا نبيلة ووراءها ما وراءها " .
وكما هي وداد تكون ياسمين ، وتكون أسرة أم العز التي استضافتها في منزلها وتقاسمت معها كل شيء في بيتها ، فكانت لها أسرة ثانية . هنا يتذكر قاريء أدب الحقبة الاشتراكية رواية " الأم الثانية " لحكيم تويونوف التي صدرت في ٨٠ القرن ٢٠ عن دار الفارابي مترجمة إلى العربية ، وهي تمجد الفكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي والعالم الجديد الذي تتضامن فيه الشعوب مع بعضها لبناء عالم أفضل . تكون أم العز لياسمين كما تكون الأم في رواية تويونوف للطالب الذي استضافته العائلة في منزلها أيضا . وكما أم سعد لدى كنفاني وفرحة لدى الهودلي تكون ياسمين في " البيوت " . إنها الأم التي يسجن أبوها ويسجن ابناها ، بل وتسجن هي وتعتقل وتفرض عليها الإقامة الجبرية في منطقة بعيدة عن بيتها ، فتظل صامدة مقتنعة أن الاحتلال إلى زوال . في السجن لا تهادن السجانين ، بل هي تسخر منهم ومن دولتهم ، وفي أثناء اعتقال ابنيها تقف شامخة وأيضا ساخرة . إنها نموذج نسوي إيجابي مقاوم لا يفت في عضده كثرة التجارب المريرة ، بل تزيدها ثباتا على مواقفها وإصرارا عليها .
تقديم النموذج الإيجابي المقاوم في روايتنا الفلسطينية في القرن الحادي والعشرين على الرغم من بؤس الواقع منذ عقدين وربما منذ الخروج من بيروت في ١٩٨٢ يستحق حقا التأمل ويستحق البحث عن الأسباب وتفسير الظاهرة حقا ، فما هي الأسباب ؟ أتتعلق بتجربة الكاتب نفسه ومعتقده ورؤاه وعيشه أسير أفكار ومعتقدات آمن بها في زمن مضى أم في قناعته بأن لا شيء يبقى على حاله ؟ فثمة كتاب أنجزوا نصوصا يغلب عليها الطابع السوداوي وقدموا نماذج نسوية مختلفة تماما ، كما في " مقامات العشاق والتجار " لأحمد رفيق عوض و " زغرودة الفنجان " لحسام زهدي شاهين و" ما تساقط " لعفاف خلف . في أدبنا أيضا أدباء متشائمون سوداويون بعضهم يعد نفسه كافكا الفلسطيني ، وبين الأدب المتشائم والأدب المتفائل هناك الأدب المتشائل الذي تعد رواية اميل حبيبي رائدته وحجر الأساس فيه .
أعتقد أن الموضوع يستحق التفكير فيه ، وأعتقد أن هذا الاختلاف مقبول وله ما يسوغه ويبرره .
٩ / ٥ / ٢٠٢٢ .
٩
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
فإن الخيام تستدعي الخيام " بيتنا في المخيم "
عادل الأسطة
تركت المخيم ، إلى بيتنا الجديد في حي المساكن الشعبية ، في العام ١٩٧٨ ، وتحديدا في اليوم الأخير من شباط ، إذ احتفل ، ولو وحيدا ، كل بداية آذار بالمناسبة بالجلوس على شرفة شقتي احتسي القهوة .
صباح ٩ / ٥ / ٢٠٢٤ قرأت في صفحة الشاعر راسم المدهون تحية الصباح ، وكنت في ٨ / ٥ أمعنت النظر في صورة أدرجها مروان دراج ضمته وأسرة أخيه الناقد فيصل وقرأت أنهما استعادا معا ذكرياتهما في مخيم اليرموك .
ولأن راسم المدهون ما زال يقيم هناك ، في درعا الآن ، فقد استعنت بالذاكرة التي تبدو لي الآن خداعة .
في العام ١٩٧٥ زرت دمشق ومكثت في بيت خالتي أم محمد الطيان في حي ركن الدين / الأكراد ، ونمت ليلة واحدة في بيت عمي محمود الأسطة ، وكان شقة صغيرة جدا في بناية تقع قرب حارة اليهود .
ولما كان لي أقارب يقيمون في مخيم اليرموك - أرجح - فقد اصطحبني أبناء عمي لزيارتهم . ( أذكر أن ابن عمي زكي خطب قريبة له من هناك ، ولكن النصيب غلاب ) ( يجب الاستعانة بابن عمي زكريا لتصحيح المعلومات ، إن كانت ذاكرته لم تشخ ) .
كل ما ذكر عن صلة القرابة لم يذكر لأنه هو المتن ، فهو هامش والمتن هو البيت .
كان بيت خالتي أم محمد بيتا بسيطا مثل البيوت في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن العشرين ، وكان البيت الذي زرته في المخيم لا يختلف عن بيتنا في مخيم عسكر القديم ، ولم تكن بيوت مخيم الوحدات ومخيم الحسين وبيوت جباليا والفارعة وبلاطة والفوار وعسكر الجديد وعين بيت الماء التي زرتها في تلك الفترة - أي ٧٠ و ٨٠ القرن ٢٠ - تختلف ، فقد أصبحت منذ بداية ٩٠ القرن ٢٠ مختلفة تماما . ما اختلفت ، في تلك الفترة ، هي بيوت مخيم شنلر ومخيم البقعة ، فقد أقيمت بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ وليس بعد نكبة ١٩٤٨ . كانت بيوت شنلر والبقعة من الصفيح / الزينكو والاسبست ، ولم تكن من الباطون ، وقد زرت شنلر مرة واحدة في العام ١٩٧٣ ، وزرت البقعة في العام ١٩٧٦ مرات ونمت في غرفة زينكو . ( في العام الدراسي ١٩٧٢ / ١٩٧٣ سكنت في مخيم الحسين مدة عام ولم تكن بيوته مختلفة عن بيتنا في مخيم عسكر ) .
أنا من مواليد ١٩٥٤ ، وغرف الباطون في مخيمات اللجوء أقيمت في العام ١٩٥٨ - يعني بعد أربع سنوات من ولادتي ، ما يعني أن الخيمة كانت جزءا من بيتنا . هل هناك في الذاكرة شبح خيمة أقمت فيها ؟
أحاول أن أضع مخططا لبيتنا في المخيم حتى تاريخ مغادرته ، فلم أعد بعد تركه أحن إليه مطلقا ، وربما أكون مررت بالقرب منه بضع مرات لم أشعر أبدا بالحنين إليه .
كانت الساحات الواسعة في تلك المخيمات واسعة مكنت أبناءها من إقامة ملاعب كرة طائرة وأحيانا كانت ملاعب كرة قدم صغيرة لفريقين يتكون كل واحد منهما من ثلاثة أربعة لاعبين ، وكانت الارتدادات بين كل حارة وحارة لا تقل عن عشرة أمتار تمكن السيارات قليلة العدد من المرور بها .
غالبا ما كانت كل مجموعة بيوت متلاصقة لا ارتداد بينها ، ولكي يتم الفصل بين بيت وبيت وضعت ألواح من الزينكو أو أسلاك شائكة أو غير شائكة زرع حولها بعض النباتات المتسلقة ، وقليلون هم من بنوا جدارا من طوب .
لم تكن مساحة بيتنا لتزيد ، في أحسن الأحوال ، عن مائة متر ، وقد تكون ، كما أتذكر ،٠ من غرفة باطون الوكالة التي لم تزد مساحتها عن ٣ م × ٣ م وارتفاعها عن ٢٢٠ سم ولها باب وشباك أو شباكان من ألواح خشب تثبت معا بمستطيل خشب يصل زاوية يمينها بزاوية يسارها وتتخلله فراغات يتسلل منها الهواء ، وحول الغرفة هذه التي خلت إلى حين من مطبخ ومنافع ، فقد كان في المخيم حمام عام ومراحيض عامة ومطعم أيضا . كانت هذه الغرفة غرفة نوم ومطبخا وحمام اغتسال أيضا .
في المساحة المتبقية بنى أبي جدران غرفة ثانية لم يسقفها بالباطون ، وغطاها بشادر أظنه شادر الخيمة ، وكنت واخوتي ننام فيها ، حتى سقفها أبي بالباطون ومد أرضيتها بالاسمنت والناعمة واتخذ منها غرفة له وانتقلنا نحن ، وكنا ستة سبعة ثمانية تسعة ، إلى غرفة الوكالة .
بين غرفة الوكالة والغرفة المقامة حديثا كانت هناك مساحة لا يقل حجمها عن ٤ م × ٦ م وقد غطاها أبي في الشادر نفسه الذي انتزعه ، وإلى جانب غرفته الجديدة أقام مطبخا من الزينكو وإلى جانبة مرحاض يضخ في حفرة ، فلم تكن هناك ثمة مجار . مجاري ماء الاغتسال والجلي أقيمت لاحقا في قنوات مكشوفة بين البيوت .
هل خلا بيتنا من حديقة زرعنا فيها الأشجار ؟
أذكر أنه كانت هناك مساحة ترابية زرعنا فيها شجرتين ؛ شجرة ليمون وشجرة خوخ . ولم تخل ، حتى نهاية سبعينيات ق ٢٠ ، أكثر - إن لم يكن كل - بيوت المخيم من أشجار ، بخاصة الحمضيات والدوالي والخوخ أيضا ، ولكنها ، مع ازدياد عدد أفراد العائلة والحاجة إلى مزيد من الغرف ، صار الشجر قربان العائلة الذي لا مفر من التضحية به ، فالضرورات تبيح المحظورات .
في سبعينيات القرن ٢٠ كتب قاص من غزة ، هو حمدي الكحلوت ، قصة قصيرة عنوانها " غرفة جديدة للعريس " أتى فيها على تناقص المساحات في البيوت وازدياد البناء / الباطون ، وفي روايته " الشوك والقرنفل " ٢٠٠٤ توسع يحيى السنوار بهذا الجانب .
الآن هدمت البيوت وعاد أهل قطاع غزة إلى سيرتهم الأولى .
ترى ما هو شكل بيتنا الآن في المخيم ؟
لا بد من الوقوف على الأطلال .
( الخميس ٩ / ٥ / ٢٠٢٤
والسبت ١٥ / ٦ / ٢٠٢٤ )
١٠
غزة ( ٢١٦ ) :
أصوات من الداخل
أتابع صفحات معينة تصدر في غزة لأقرأ الصورة من مصادر مختلفة .
كتائب المقاومة تبث مشاهد توثق فيها ، بالصورة والصوت ، بطولات مقاتليها .
والجمعيات والمؤسسات الأهلية والناشطون الاجتماعيون يصورون مقاطع فيديو لواقع الحياة اليومية ،
والناطق الرسمي باسم وزارة الصحة يحصى عدد الشهداء والجرحى والمفقودين ،
والكتاب يكتبون عما آلوا إليه ويتحدثون عمن صمد وبقي في قلب الدرع وعمن غادر وهرب ،
وعبود بطاح يقدم مشاهد كوميدية في برنامجه ( آيس كريم كافيه ) ، وقد فقدت بريقها منذ شهرها الأول - لي على الأقل ،
والمشاهد هي هي :
- الدمار في كل مكان
- الخيام في رفح وغيرها
- مدارس إيواء اللاجئين الفلسطينيين تكتظ باللائذين إليها.
- وسائل النقل القديمة والحديثة جنبا إلى جنب ، الكارة / العربة التي يجرها حمار أو بغل إلى جانب السيارة
- الناس المرمية جثثها في الشوارع
- بياعو الفلافل والحلوى
- الصغار يغنون ويرقصون ويسبحون على شاطيء البحر
- الجنود الإسرائيليون القساة الذين يقتلون بلا رحمة
- إلخ... إلخ ... إلخ ...
وهناك أصوات أخذت تهاجم المقاومة وتلعن وتشتم وتخون وتكتب عن سنوات الحصار و ... و ... .
وبعض الناس ملوا وسئموا وصارت دعواتهم كلها أن يهبط عليهم من السماء فرج قريب واختصرت كتاباتهم بعبارات :
يا رب
فرجك
قربت
هانت
الهدنة قريبة
وهلم جرا .
احتمل اللاجئون برد الشتاء وها هم يستعدون لحر الصيف .
غزة على صفيح ساخن . هل يريد الغزيون العودة إلى ما قبل ٧ أكتوبر ؟
شخصيا لم أقرأ فيما ينشر من بنود الهدن المقترحة أي شيء عن الأقصى والقدس والاستيطان في الضفة الغربية ورفع الحصار عن غزة رفعا كاملا .
عندما هزم جمال عبد الناصر في حزيران ٦٧ أكثرت دار الإذاعة الإسرائيلية من بث أغنية " أبو سمرة زعلان " ، ويا خوفي أن تصبح أغنية أم كلثوم التي منها :
" وعاوزنا نرجع زي زمان .
- قل للزمان ارجع يا زمان " .
يا خوفي أن تصبح الأغنية الأكثر شهرة وبثا !!
ثمة أصوات من داخل غزة صارت ترتفع وتحن إلى ما قبل ٢٠٠٧ !!
الله المستعان به ولعله يمد المقاومين بجنود لا نراها ! لعله !
العلم الإسرائيلي حل ، في رفح ، محل العلم الفلسطيني ، وهناك أخبار أن المعبر ستسلمه إسرائيل إلى شركة أمريكية .
أين أنت يا معين بسيسو لتهتف :
" لا توطين ولا إسكان
يا عملاء الأمريكان "
هل كان لمصر دور فيما يجري ؟
كان إميل حبيبي يردد ويكتب إن طاقة الفرج لإخراج إسرائيل من مآزقها غالبا ما كانت عربية .
٩ / ٥ / ٢٠٢٤
١١
صناديق حبس القردة للسجناء والسجينات :
حضرت أمس في الساعة الثانية عشرة ظهرا ، في مكتبة بلدية نابلس ، ندوة عن السجينات والسجناء الفلسطينيين تحدثت فيها سجينة سابقة والسجين مظفر ذوقان والمحامي حسن عبادي القادم من حيفا / Hassan Abbadi .
تحدث المحامي الذي يزور السجناء ويتواصل معهم وينقل معاناتهم عن أوضاع مزرية يعيشونها ، ومن أطرف ما سمعته ، عدا التقييدات الجديدة بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، بل ومنذ تولى الوزير الإسرائيلي ( بن غفير ) ملف الأسرى ، هو إحضار أقفاص يوضع فيها ، في العادة ، القرود ، لمعاقبة أسرى / سجناء و أسيرات / سجينات فيها .
أتمنى أن تنشر كلمات المحاضرة وتعمم . هل هذا مستغرب ؟
منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين صرنا نسمع من عتاة المستوطنين المتطرفين كلاما أقله أننا نحن العرب صراصير ينبغي التخلص منها بوضعها في زجاجات مغلقة وإحكام إقفالها ، ومنذ السابع من أكتوبر صرنا نصغي إلى متطرفين يقتبسون عبارات من العهد القديم تظهر ما نحن عليه ك ( غوييم ) / أغيار . نحن عبيد لا نستحق الا المعاملة الدونية .
قبل أن تنتهي المحاضرة بقليل اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي البلدة القديمة . دخلت القوات المستعربة من سوق البصل إلى حارة الياسمينة وحوش العطعوط . ارتقى الشهيد رامي سامي وليد الكخن ، وهو في الثلاثين من عمره ، وأصيب سبعة مواطنين ، وأما أنا فانسللت صاعدا درج مكتبة البلدية إلى شارع حطين فشارع الرازي ومكثت في شقتي أقرأ في كتاب محمود شقير " المشهد الروائي الفلسطيني : قراءات " وفي كتاب عاطف ابوسيف " استعادات مقلقة : يوميات غزة : ١٠٠ كاتب وفنان من غزة يكتبون " .
غبطت نفسي على هدوء شعرت به وتحسرت على أهل قطاع غزة وتابعت ما يجري هناك . تعاطفت معهم وتناولت بعض شرائح جبنة ونصف رغيف وشربت شايا ورحم الله الشاعر المصري صلاح عبد الصبور الذي كتب :
- وشربت شايا في الطريق
فاستثار عباس محمود العقاد ، ومن أوائل المقالات التي كتبتها في العام ١٩٧٧ مقال عنوانه " هل شرب الشاي مسألة شعرية ؟" ويبدو أنني كنت متأثرا بما قرأته للعقاد .
٩ / ٥ / ٢٠٢٥
١٢
يحيى يخلف وروايته " نجران تحت الصفر "
من ضمن الروايات التي كتب عنها الكاتب محمود شقير في كتابه " المشهد الروائي الفلسطيني " رواية الروائي يحيى يخلف " نجران تحت الصفر " التي صدرت في العام ١٩٧٥ .
توقف الكاتب أمام الفصل الذي جاء بعد النهاية وكتب عنه :
" أخيرا ؛ ان ما يضفي رونقا خاصا على الرواية ذلك الفصل الذي جاء بعد النهاية ، وفيه إضاءة حميمية إلى تجربة يحيى يخلف أثناء معايشته للأحداث وللشخصيات التي شكلت مادة روايته ، وبخاصة ذلك الفلسطيني : زميله المدرس كمال الغزاوي الذي التقاه في جدة وانتظرا معا أياما بالغة الصعوبة قبل السفر إلى نجران ....الخ"
" في الرواية وفي هذا الفصل الأخير تتبدى قدرة يحيى يخلف على الوصف وعلى تجسيد ملامح البيئة التي كتب عنها ، وكذلك الأماكن التي شكلت خلفية الرواية وهذا النص سواء بسواء " .
وفيما أعرف فإن هذا الفصل ظهر في الطبعات اللاحقة للطبعة الأولى التي خلت منه ، وكنت أتمنى لو التفت شقير إلى هذا الأمر وقدم لنا وجهة نظر .
عدا ما سبق كنت أتمنى لو التفت في قراءاته إلى علاقة الروائي بالمكان الذي يكتب عنه ويتوقف أمام الكتاب الذين كتبوا عن أمكنة يقيمون فيها والكتاب الذين كتبوا عن أمكنة لم يروها ويرى الفارق في صورة المكان هنا وهناك ، بخاصة أنه كتب دراسة عن المكان في الرواية أتى فيه على من كتب عن القدس قبل أن يراها ، مثل واسيني الأعرج و حسن حميد ، أو كتب عنها وهو ابنها مثل عارف الحسيني وجميل السلحوت وديمة السمان ، تماما كما لم يفعل الشيء نفسه حين كتب عن المخيم في الرواية .
٩ / ٥ / ٢٠٢٥
عادل الاسطة Adel Al-osta
٩ / ٥ / ٢٠٢٦

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى