كيف نعيد بناء الحركة الوطنية الفلسطينية دون أن نعيد إنتاج أزمتها؟
في مكانٍ ما...
على رفٍ قديم نجا من الحروب أكثر مما نجا من الغبار...
تنام كتب كثيرة.
أوراق.
ملفات.
محاضر مؤتمرات.
رسائل مفتوحة.
مقالات.
دراسات.
وأسئلة مؤجلة.
كلها تبدو كأنها جاءت من أزمنة مختلفة، لكنها كانت تقول الشيء نفسه بطرق مختلفة:
انتبهوا...
فالطريق الذي تسيرون فيه لا يقود إلى المكان الذي تظنون.
كان إدوارد سعيد يرى ذلك مبكرًا.
وكان هشام شرابي يلمسه بين السطور.
وكان عزمي بشارة يفتحه على أسئلة المشروع الوطني ومستقبله.
وكان هاني المصري يعود إليه مرة بعد أخرى من باب السلطة ومنظمة التحرير.
وكان عريب الرنتاوي يقرأه من زاوية التمثيل والشرعية والهوية السياسية.
وفي أماكن أخرى...
في الدوحة.
وفي بيروت.
وفي عمّان.
وفي إسطنبول.
وفي مدن أوروبية بعيدة احتضنت فلسطينيي الشتات...
كانت تُعقد مؤتمرات وندوات وورشات وأوراق عمل تبحث في السؤال ذاته:
إلى أين يمضي المشروع الوطني الفلسطيني؟
لكن شيئًا غريبًا حدث.
كانت الأوراق تتراكم.
وكانت التحذيرات تتكاثر.
وكانت الحافة تقترب.
ليست المشكلة اليوم أن الفلسطينيين لم يُحذَّروا.
لقد حُذِّروا كثيرًا.
وربما أكثر مما ينبغي.
منذ اللحظة التي بدأ فيها المشروع الوطني الفلسطيني ينتقل، ببطء وبأسماء ناعمة، من فكرة التحرر إلى إدارة الممكن.
من الحامل الوطني الجامع إلى سلطة محدودة السيادة.
من السياسة بوصفها أفقًا مفتوحًا إلى السياسة بوصفها سقفًا منخفضًا يُدار تحته الألم اليومي.
لم يكن إدوارد سعيد يصرخ من فراغ حين رأى أن أوسلو لا تفتح باب الدولة بقدر ما تعيد ترتيب الاحتلال بلغة جديدة.
لم يكن يخشى ضياع الأرض فقط.
كان يخشى ضياع القدرة على تخيل البديل.
كان يعرف أن أخطر الهزائم ليست تلك التي تُفرض على الجسد أو الجغرافيا.
بل تلك التي تجعل الشعب يعتاد التفكير داخل القفص...
ثم ينسى أن القفص قفص.
اليوم...
وبعد كل ما جرى.
بعد الانقسام.
وبعد الحروب.
وبعد غزة.
وبعد المؤتمرات.
وبعد التسريبات.
وبعد آلاف المقالات والبيانات والخطابات...
يعود سؤال واحد ليقف في منتصف الطريق:
إذا كانت كل هذه الإنذارات قد كُتبت...
فلماذا لم تتحول إلى مسار؟
لماذا بقيت الأفكار داخل الكتب؟
وبقيت المؤتمرات داخل الأرشيف؟
وبقيت الأوراق داخل المواقع الإلكترونية؟
بينما واصلت البنية السياسية إعادة إنتاج نفسها مرة بعد أخرى؟
كان لدينا مفكرون.
وكان لدينا باحثون.
وكانت لدينا طاقات.
وكانت لدينا انتفاضات.
وكانت لدينا مبادرات.
وكانت لدينا أجيال جديدة.
وكان لدينا نصف شعب كامل ينتظر في المنافي والمخيمات.
لكن ما ظل غائبًا كان شيئًا آخر.
الجسر.
الجسر بين الفكرة والبنية.
بين المعرفة والمؤسسة.
بين النقد والمشروع.
بين المخيلة والواقع.
بين الإنذار والمسار.
وهنا تكمن العقدة الفلسطينية العميقة.
فالإنذارات بقيت إنذارات.
والأفكار بقيت أفكارًا.
أما البنية القائمة فكانت تملك ما لا تملكه الفكرة وحدها:
السلطة.
والمال.
والتنظيم.
والاعتراف.
والأجهزة.
والقدرة الهائلة على امتصاص الاعتراض أو تجاهله أو إعادة تدويره داخل شروطها الخاصة.
ولهذا...
لم يعد السؤال:
كيف نكتب رؤية جميلة؟
بل:
كيف نكتب رؤية لا تُقتل قبل أن تمشي؟
كيف نحول الإنذار إلى مسار؟
كيف نحول المعرفة إلى قوة؟
كيف نحول المخيلة إلى حامل وطني؟
وكيف نعيد بناء الحركة الوطنية الفلسطينية دون أن نعيد إنتاج الأزمة نفسها التي أوصلتنا إلى هنا؟
هنا يجب أن تكون الجملة الأولى واضحة مثل الضوء:
نحن لا نطرح بديلًا عن منظمة التحرير الفلسطينية.
نحن نطرح طريقًا لإعادة الحياة إليها.
لا نريد منظمة موازية.
ولا إطارًا بديلًا.
ولا فصيلًا جديدًا.
ولا مشروعًا تابعًا لدولة أو محور أو أيديولوجيا.
بل نريد إعادة بناء الحامل السياسي الوطني الفلسطيني من داخل شرعيته التاريخية، لكن بروح القرن الحادي والعشرين.
لسنا خارج منظمة التحرير.
بل ضد إخراج الشعب منها.
لسنا ضد فتح.
بل ضد تحويل الحركة الوطنية إلى إدارة مغلقة.
لسنا مع محور ضد محور.
بل مع فلسطين بوصفها قضية تحرر وطني جامعة.
لكن هذا الطريق لن يكون سهلًا.
فكل مشروع وطني جاد سيواجه ثلاث قوى تحاول إجهاضه قبل أن يولد.
الأولى...
مراكز القوة الفلسطينية المستفيدة من الوضع القائم.
التي لن يسرّها أن يعود المجتمع والشتات والأجيال الجديدة إلى مركز القرار.
لأن ذلك يمس احتكار التمثيل والنفوذ.
والثانية...
الاحتلال.
وهو الأخطر.
لأنه لا ينتظرنا حتى نخطئ.
هو يسبقنا بخططه.
يريد فلسطينيين بلا مشروع.
ومجتمعًا بلا ثقة.
وقيادات بلا تمثيل.
ومناطق منفصلة عن بعضها.
وسكانًا منشغلين بالبقاء أكثر من انشغالهم بالمستقبل.
أما الثالثة...
فهي الفوضى الفلسطينية نفسها.
حين يتحول النقد إلى تخوين.
والاختلاف إلى شتائم.
والسياسة إلى تسريبات.
والفضاء الرقمي إلى مسرح فرجة يومي.
فيصبح الفلسطيني متفرجًا على السياسة بدل أن يكون شريكًا في صناعتها.
لهذا لا يجوز أن يبدأ المشروع القادم كتنظيم مغلق.
ولا كبيان غاضب.
ولا كفصيل جديد.
ولا كمنظمة بديلة.
بل يجب أن يبدأ كمسار نقاش وطني مفتوح.
مسار معلن.
شفاف.
مستقل.
غير سري.
غير ممول من جهة مشبوهة.
غير تابع لمحور.
غير قائم على الإقصاء.
مسار يقول بهدوء:
لسنا هنا لنشق الصف.
بل لنمنع انهياره.
لسنا هنا لنلغي أحدًا.
بل لنفتح المجال الذي أُغلق على الشعب.
لسنا هنا لنستبدل منظمة التحرير.
بل لنعيد وصلها بشعبها.
ومن هنا تبدأ خريطة الطريق.
إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمشروع الوطني.
إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير بوصفها الحامل السياسي الجامع.
فتح المجال أمام الأجيال الجديدة التي حُرمت من المشاركة لعقود.
إعادة وصل الداخل بالشتات.
تحويل الفضاء الرقمي من ساحة انفعال إلى فضاء تنظيم ومعرفة.
بناء شبكات وطنية من المثقفين والباحثين والنقابيين والفنانين والشباب والنساء والشتات.
وصياغة وثيقة مبادئ تبدأ من الأسئلة الكبرى لا من أسماء الأشخاص.
لكن حتى هذا كله لا يكفي.
لأن السؤال الذي طرحه خالد عطية يبقى حاضرًا مثل جرس بعيد:
كيف لا يتحول الجديد إلى نسخة جديدة من القديم؟
كيف نجعل الإمكان يفلت من منطق الامتصاص؟
كيف نحمي الفكرة من أن تتحول إلى جزء من البنية التي جاءت لتجاوزها؟
وهنا تبدأ الضمانات.
الشرعية الوطنية.
الاستقلالية الكاملة.
الشفافية.
المساءلة.
وتحويل الفكرة إلى آلية عمل لا إلى نص جميل فقط.
وهنا يعود إدوارد سعيد مرة أخرى.
ليس كصورة على جدار.
ولا كاقتباس في مقدمة مقال.
بل كسؤال مفتوح ما زال يطارد الفلسطينيين حتى اليوم.
الرجل لم يكن يخشى فقط ضياع الأرض.
كان يخشى أن يفقد الفلسطينيون القدرة على تخيل البديل.
وكان يعرف أن أخطر الهزائم ليست العسكرية.
بل تلك التي تجعل الشعب يفقد ثقته بقدرته على إنتاج مستقبل مختلف.
ولهذا...
فإن المعركة الفلسطينية القادمة ليست فقط معركة على الأرض.
وليست فقط معركة على السلطة.
وليست فقط معركة على الشرعية.
إنها معركة على القدرة على إنتاج مشروع وطني جديد.
مشروع لا يكتفي بتشخيص الأزمة.
ولا يكتفي باكتشاف الإمكان.
بل يعرف كيف يحول الإمكان إلى تاريخ.
وهذا هو الفارق بين الإنذار والمسار.
الإنذار يقول:
انتبهوا... نحن ذاهبون إلى الحافة.
أما المسار فيسأل:
كيف نغيّر الطريق قبل السقوط؟
نحن لا نبدأ من الصفر.
نبدأ من كل الذين حذّروا.
من كل الذين كتبوا.
من كل الذين حاولوا أن يمنعوا وصول السفينة إلى الصخور.
نبدأ من إدوارد سعيد.
ومن كل الأصوات التي رأت أن الخطر لا يكمن فقط في الاحتلال...
بل في أن تفقد الحركة الوطنية قدرتها على تجديد نفسها.
نبدأ من الأوراق التي لم تتحول إلى قوة.
ومن المؤتمرات التي لم تصبح مسارًا.
ومن الشتات الذي ما زال ينتظر بابًا مفتوحًا.
ومن الأجيال التي كبرت خارج السياسة.
ومن غزة...
التي أعادت فلسطين إلى ضمير العالم.
بينما عجزت البنية السياسية عن تحويل هذا الحضور إلى مشروع جامع.
لا نريد أن نضيف ورقة جديدة إلى أرشيف التحذيرات.
نريد أن نفتح طريقًا يجعل التحذير فعلًا.
ويجعل الفكرة مؤسسة.
ويجعل الإمكان مشروعًا.
ويجعل المشروع تاريخًا.
ولعل السؤال الذي يجب أن يبقى معلقًا فوق رؤوسنا ونحن نبدأ هذا الطريق هو:
كيف نعيد بناء الحركة الوطنية الفلسطينية...
دون أن نعيد إنتاج أزمتها؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
30/5/2026
في مكانٍ ما...
على رفٍ قديم نجا من الحروب أكثر مما نجا من الغبار...
تنام كتب كثيرة.
أوراق.
ملفات.
محاضر مؤتمرات.
رسائل مفتوحة.
مقالات.
دراسات.
وأسئلة مؤجلة.
كلها تبدو كأنها جاءت من أزمنة مختلفة، لكنها كانت تقول الشيء نفسه بطرق مختلفة:
انتبهوا...
فالطريق الذي تسيرون فيه لا يقود إلى المكان الذي تظنون.
كان إدوارد سعيد يرى ذلك مبكرًا.
وكان هشام شرابي يلمسه بين السطور.
وكان عزمي بشارة يفتحه على أسئلة المشروع الوطني ومستقبله.
وكان هاني المصري يعود إليه مرة بعد أخرى من باب السلطة ومنظمة التحرير.
وكان عريب الرنتاوي يقرأه من زاوية التمثيل والشرعية والهوية السياسية.
وفي أماكن أخرى...
في الدوحة.
وفي بيروت.
وفي عمّان.
وفي إسطنبول.
وفي مدن أوروبية بعيدة احتضنت فلسطينيي الشتات...
كانت تُعقد مؤتمرات وندوات وورشات وأوراق عمل تبحث في السؤال ذاته:
إلى أين يمضي المشروع الوطني الفلسطيني؟
لكن شيئًا غريبًا حدث.
كانت الأوراق تتراكم.
وكانت التحذيرات تتكاثر.
وكانت الحافة تقترب.
ليست المشكلة اليوم أن الفلسطينيين لم يُحذَّروا.
لقد حُذِّروا كثيرًا.
وربما أكثر مما ينبغي.
منذ اللحظة التي بدأ فيها المشروع الوطني الفلسطيني ينتقل، ببطء وبأسماء ناعمة، من فكرة التحرر إلى إدارة الممكن.
من الحامل الوطني الجامع إلى سلطة محدودة السيادة.
من السياسة بوصفها أفقًا مفتوحًا إلى السياسة بوصفها سقفًا منخفضًا يُدار تحته الألم اليومي.
لم يكن إدوارد سعيد يصرخ من فراغ حين رأى أن أوسلو لا تفتح باب الدولة بقدر ما تعيد ترتيب الاحتلال بلغة جديدة.
لم يكن يخشى ضياع الأرض فقط.
كان يخشى ضياع القدرة على تخيل البديل.
كان يعرف أن أخطر الهزائم ليست تلك التي تُفرض على الجسد أو الجغرافيا.
بل تلك التي تجعل الشعب يعتاد التفكير داخل القفص...
ثم ينسى أن القفص قفص.
اليوم...
وبعد كل ما جرى.
بعد الانقسام.
وبعد الحروب.
وبعد غزة.
وبعد المؤتمرات.
وبعد التسريبات.
وبعد آلاف المقالات والبيانات والخطابات...
يعود سؤال واحد ليقف في منتصف الطريق:
إذا كانت كل هذه الإنذارات قد كُتبت...
فلماذا لم تتحول إلى مسار؟
لماذا بقيت الأفكار داخل الكتب؟
وبقيت المؤتمرات داخل الأرشيف؟
وبقيت الأوراق داخل المواقع الإلكترونية؟
بينما واصلت البنية السياسية إعادة إنتاج نفسها مرة بعد أخرى؟
كان لدينا مفكرون.
وكان لدينا باحثون.
وكانت لدينا طاقات.
وكانت لدينا انتفاضات.
وكانت لدينا مبادرات.
وكانت لدينا أجيال جديدة.
وكان لدينا نصف شعب كامل ينتظر في المنافي والمخيمات.
لكن ما ظل غائبًا كان شيئًا آخر.
الجسر.
الجسر بين الفكرة والبنية.
بين المعرفة والمؤسسة.
بين النقد والمشروع.
بين المخيلة والواقع.
بين الإنذار والمسار.
وهنا تكمن العقدة الفلسطينية العميقة.
فالإنذارات بقيت إنذارات.
والأفكار بقيت أفكارًا.
أما البنية القائمة فكانت تملك ما لا تملكه الفكرة وحدها:
السلطة.
والمال.
والتنظيم.
والاعتراف.
والأجهزة.
والقدرة الهائلة على امتصاص الاعتراض أو تجاهله أو إعادة تدويره داخل شروطها الخاصة.
ولهذا...
لم يعد السؤال:
كيف نكتب رؤية جميلة؟
بل:
كيف نكتب رؤية لا تُقتل قبل أن تمشي؟
كيف نحول الإنذار إلى مسار؟
كيف نحول المعرفة إلى قوة؟
كيف نحول المخيلة إلى حامل وطني؟
وكيف نعيد بناء الحركة الوطنية الفلسطينية دون أن نعيد إنتاج الأزمة نفسها التي أوصلتنا إلى هنا؟
هنا يجب أن تكون الجملة الأولى واضحة مثل الضوء:
نحن لا نطرح بديلًا عن منظمة التحرير الفلسطينية.
نحن نطرح طريقًا لإعادة الحياة إليها.
لا نريد منظمة موازية.
ولا إطارًا بديلًا.
ولا فصيلًا جديدًا.
ولا مشروعًا تابعًا لدولة أو محور أو أيديولوجيا.
بل نريد إعادة بناء الحامل السياسي الوطني الفلسطيني من داخل شرعيته التاريخية، لكن بروح القرن الحادي والعشرين.
لسنا خارج منظمة التحرير.
بل ضد إخراج الشعب منها.
لسنا ضد فتح.
بل ضد تحويل الحركة الوطنية إلى إدارة مغلقة.
لسنا مع محور ضد محور.
بل مع فلسطين بوصفها قضية تحرر وطني جامعة.
لكن هذا الطريق لن يكون سهلًا.
فكل مشروع وطني جاد سيواجه ثلاث قوى تحاول إجهاضه قبل أن يولد.
الأولى...
مراكز القوة الفلسطينية المستفيدة من الوضع القائم.
التي لن يسرّها أن يعود المجتمع والشتات والأجيال الجديدة إلى مركز القرار.
لأن ذلك يمس احتكار التمثيل والنفوذ.
والثانية...
الاحتلال.
وهو الأخطر.
لأنه لا ينتظرنا حتى نخطئ.
هو يسبقنا بخططه.
يريد فلسطينيين بلا مشروع.
ومجتمعًا بلا ثقة.
وقيادات بلا تمثيل.
ومناطق منفصلة عن بعضها.
وسكانًا منشغلين بالبقاء أكثر من انشغالهم بالمستقبل.
أما الثالثة...
فهي الفوضى الفلسطينية نفسها.
حين يتحول النقد إلى تخوين.
والاختلاف إلى شتائم.
والسياسة إلى تسريبات.
والفضاء الرقمي إلى مسرح فرجة يومي.
فيصبح الفلسطيني متفرجًا على السياسة بدل أن يكون شريكًا في صناعتها.
لهذا لا يجوز أن يبدأ المشروع القادم كتنظيم مغلق.
ولا كبيان غاضب.
ولا كفصيل جديد.
ولا كمنظمة بديلة.
بل يجب أن يبدأ كمسار نقاش وطني مفتوح.
مسار معلن.
شفاف.
مستقل.
غير سري.
غير ممول من جهة مشبوهة.
غير تابع لمحور.
غير قائم على الإقصاء.
مسار يقول بهدوء:
لسنا هنا لنشق الصف.
بل لنمنع انهياره.
لسنا هنا لنلغي أحدًا.
بل لنفتح المجال الذي أُغلق على الشعب.
لسنا هنا لنستبدل منظمة التحرير.
بل لنعيد وصلها بشعبها.
ومن هنا تبدأ خريطة الطريق.
إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمشروع الوطني.
إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير بوصفها الحامل السياسي الجامع.
فتح المجال أمام الأجيال الجديدة التي حُرمت من المشاركة لعقود.
إعادة وصل الداخل بالشتات.
تحويل الفضاء الرقمي من ساحة انفعال إلى فضاء تنظيم ومعرفة.
بناء شبكات وطنية من المثقفين والباحثين والنقابيين والفنانين والشباب والنساء والشتات.
وصياغة وثيقة مبادئ تبدأ من الأسئلة الكبرى لا من أسماء الأشخاص.
لكن حتى هذا كله لا يكفي.
لأن السؤال الذي طرحه خالد عطية يبقى حاضرًا مثل جرس بعيد:
كيف لا يتحول الجديد إلى نسخة جديدة من القديم؟
كيف نجعل الإمكان يفلت من منطق الامتصاص؟
كيف نحمي الفكرة من أن تتحول إلى جزء من البنية التي جاءت لتجاوزها؟
وهنا تبدأ الضمانات.
الشرعية الوطنية.
الاستقلالية الكاملة.
الشفافية.
المساءلة.
وتحويل الفكرة إلى آلية عمل لا إلى نص جميل فقط.
وهنا يعود إدوارد سعيد مرة أخرى.
ليس كصورة على جدار.
ولا كاقتباس في مقدمة مقال.
بل كسؤال مفتوح ما زال يطارد الفلسطينيين حتى اليوم.
الرجل لم يكن يخشى فقط ضياع الأرض.
كان يخشى أن يفقد الفلسطينيون القدرة على تخيل البديل.
وكان يعرف أن أخطر الهزائم ليست العسكرية.
بل تلك التي تجعل الشعب يفقد ثقته بقدرته على إنتاج مستقبل مختلف.
ولهذا...
فإن المعركة الفلسطينية القادمة ليست فقط معركة على الأرض.
وليست فقط معركة على السلطة.
وليست فقط معركة على الشرعية.
إنها معركة على القدرة على إنتاج مشروع وطني جديد.
مشروع لا يكتفي بتشخيص الأزمة.
ولا يكتفي باكتشاف الإمكان.
بل يعرف كيف يحول الإمكان إلى تاريخ.
وهذا هو الفارق بين الإنذار والمسار.
الإنذار يقول:
انتبهوا... نحن ذاهبون إلى الحافة.
أما المسار فيسأل:
كيف نغيّر الطريق قبل السقوط؟
نحن لا نبدأ من الصفر.
نبدأ من كل الذين حذّروا.
من كل الذين كتبوا.
من كل الذين حاولوا أن يمنعوا وصول السفينة إلى الصخور.
نبدأ من إدوارد سعيد.
ومن كل الأصوات التي رأت أن الخطر لا يكمن فقط في الاحتلال...
بل في أن تفقد الحركة الوطنية قدرتها على تجديد نفسها.
نبدأ من الأوراق التي لم تتحول إلى قوة.
ومن المؤتمرات التي لم تصبح مسارًا.
ومن الشتات الذي ما زال ينتظر بابًا مفتوحًا.
ومن الأجيال التي كبرت خارج السياسة.
ومن غزة...
التي أعادت فلسطين إلى ضمير العالم.
بينما عجزت البنية السياسية عن تحويل هذا الحضور إلى مشروع جامع.
لا نريد أن نضيف ورقة جديدة إلى أرشيف التحذيرات.
نريد أن نفتح طريقًا يجعل التحذير فعلًا.
ويجعل الفكرة مؤسسة.
ويجعل الإمكان مشروعًا.
ويجعل المشروع تاريخًا.
ولعل السؤال الذي يجب أن يبقى معلقًا فوق رؤوسنا ونحن نبدأ هذا الطريق هو:
كيف نعيد بناء الحركة الوطنية الفلسطينية...
دون أن نعيد إنتاج أزمتها؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
30/5/2026