ابراهيم حالي - ليلة الصمت والظلال

باب صالة الحفل لم يُفتح، بل انفجر، كما لو أنه بوابة قلعة محاصَرة.
دخل سيادته، لا ماشياً، بل مترنحًا من ثِقل السكر، خطواته تميل مع الريح، ويسوقه خمره لا فكره. خبط الأرض بقدمه اليسرى خبطة حاسمة، وكأنه يطبع عليها ختم ملكيته المطلقة.

خلفه تسيل حاشية من الكلاب، أنوفها تستنشق الكلمات قبل أن تُقال، وآذانها تلتقط دبيب النمل في قرية نائية.

قال أحد الواقفين وهو يغطي أنفه:
ـ «تفوح منه رائحة خمر رخيص.»

رد رجل مسن كان بالقرب منه بابتسامة ساخرة:
ـ «طبيعي، فقد تربّى في خمّارة كانت تملكها جدته في حي شعبي فقير.» ثم ضحك، كأنه يضحك من سخرية الأقدار.

تنهّد مقاتل قديم من أبطال الثورة، واقترب بصوت خافت هامسًا لا يكاد يُسمع:
ـ «ليت الأمر توقف هنا…»

لكنه ينهش القلوب بسادية موغلة في التشفي، ويمص الدماء كما يمتص العرق الرخيص ليل نهار. وكرر: «ليت الأمر توقف هنا…» وليته اكتفى.

وقف وسط الحشد بطول لا يعلو كمنارة تهدي التائهين، بل كعمود دخان أسود يتلوى كأفعى قبل الانقضاض على فريستها.
طوله كدخان قاتم يخنق الهواء ويحمل ما هو أثقل من رائحة الموت بالرصاص.

تحول المكان من فرحٍ صاخب إلى صمتٍ جنائزي.
الوجوه تخشبت، العيون انكمشت، تصبب العرق رغم برودة الطقس، المقاعد ابتلعت أجساد الجالسين، والبعض التفّ حوله في فوضى بليدة لا تشبه شيئًا إلا بلادة فوضى حكمه وتسلطه.

لا شيء سوى الصمت كالجدار، والخوف كالمطر، والعسس ينبتون في كل الزوايا والأركان كما تنبت الحشائش الضارة في الحقول. وغدٌ مجهول يطلّ كوحش بلا وجه يبتلع كل الآفاق والأحلام،
وأناس يتلاشون كما تتلاشى الظلال عندما تغيب الشمس.

المغني أوقف الجيتار والطبلة، أمسك بالميكروفون بيد ثابتة رغم حنقه والغليان يفور في صدره، وقال بهدوء جاف متهكم:
ـ «يا سيادة الرئيس، يمكنك أن تصعد مكاني وتغني. والحق كلامه: لكن من الأفضل أن يهتمّ كلٌّ منا بعمله.»

لم يرد. أرْخى شفتيه لابتسامة باهتة بانت على أطرافها أنياب الحقد، كأنياب ذئب حشر فريسته في ركن مظلم، ابتسامة تحمل مزيجًا سامًا من الخبث والكراهية.

تدافع الجميع نحو الباب كما لو كان يوم الحشر. انفضّوا كيفما تيسّر، واختفوا بين أزقّة المدينة.
انتهى الحفل قسرًا، وغادر سيادته تتبعه كلابه في الظلام إلى ملهى ليلي آخر ليخنق حناجر أخرى تحلم بميلاد صوت يحمل فرحة جديدة، لأن الصباح عنده مخصص لإسكات المساجد والكنائس والمعابد.

بعد تلك الليلة، لم يُسمع صوت الفنان مرة أخرى، وقيل إن أغنياته القديمة جُمعت من المكتبة الوطنية وأُتلفت.
وبعد أيام قليلة، عُثر على المقاتل ميتًا داخل سيارته، وقيل إنها انزلقت من على حافة جبل في طريق سفري.
أما الرجل المسن وأبناؤه الخمسة، فقد تبخروا كما يتبخر الملح في ماء البحر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى