إبراهيم حالي - الأغنية الأخيرة قبل المعركة...

ركض نحوها كطفل صغير، رغم قامته الفارعة وعرض منكبيه. كانت خطواته تهزّ الأرض تحت قدميه كالجمل، وكأنها تعاتبها على المسافة الطويلة التي باعدت بينه وبين ابنته ذات الأعوام الخمسة.

عثمان “فردة”؛ جندي من جنود الثورة التي حررت البلاد. وُلد في قرية صغيرة في قلب الوطن، قرية تتحدث كل لغاته وتحتضن كل دياناته، وشبّ كما تشبّ الأشجار حين تغرس جذورها عميقًا في التراب.

في صباح أسود لا يشبه أي صباح، استيقظ على دخان كثيف ونيران تلتهم الأفق، وجثث متناثرة على أرضٍ شهدت طفولته. حتى والديه لم يتعرّف على ملامحهما بعد أن شوّهتهما النار. لم يبكِ، لم يصرخ، لم يضحك .
قضى يومه يقلب الجثث، علّه يجد بينها حياةً يحتمي بها، أو أنسًا يلجأ إليه، أو لعلها تفسر له هذا الحريق الجماعي .

التحق بصفوف الثوار وهو في العاشرة، طفلًا خائفًا أو ظلًّا خرج من بين الأموات، لكنه سرعان ما اندمج في أجوائها. أطلقوا عليه لقب “منجوس” لصغر سنه، و”فردة” أي الصديق الحميم، لأنه كان مرحًا، شجاعًا، قريبًا من قلوبهم جميعًا. كان يقاتل بخفة ودقة، كأنما ينتقم لطفولته المحترقة دون أن يفقد ابتسامته.

التقاها في منتصف الطريق وهو يلهث، والخوف يملأ قلبه لئلا تسقط في تلك الأرض الوعرة. دنا إليها، رفعها عاليًا، ودار بها في الهواء، ثم ضمها إلى صدره بلهفة أبدية. وبعدها احتضن زوجته بحرارة اللقاء الذي انتظره عمرًا. قضى أيامًا قليلة معهما في المعسكر الخلفي، في بيت بُني بالقش وبقايا الأشجار. ضحك ولعب، حتى بدا وكأنهم في جنة صغيرة وسط جحيم الحرب الذي يحيط بالمكان وتخنق أنفاسه أصوات المدافع البعيدة.

كان يغني لابنته الذكية اللمّاحة أغنية بلغة التجرنية عنوانها "نقستي لبي " وتعني ملكة قلبي وهي تردد خلفه بصوت طفولي غارق في الحب والشوق.

لكن المساء حمل أمرًا آخر.

صدرت الأوامر بالتحرك نحو جبل “طليم رأسو” حيث يتحصن العدو. لم يكن أحد يعرف سر أهميته، لكنه كان هناك، وسط غابة كثيفة من أشجار الكِتر اليابسة، بلا قرى ولا مدن. قاد “فردة” فصيلتنا بين الرصاص والدماء، يبتسم ويمازح الرفاق، يحثّنا على الصعود إلى القمة. القمة التي كان يراها قريبة وكنا نراها بعيدة. كان يسند الجرحى بيد، ويقاتل بالأخرى، بينما الإرهاق ينهش الجميع وسط رصاص لا يعرف التوقف ولا الرحمة.

بدأت المعركة مع الغروب، ولا أدري كم استمرت. لكن عندما وصلنا القمة، كان القمر في منتصف السماء شاهدًا على هذا الموت الكثيف.
هناك، لم يعد للعدو أثر. صرخ “فردة” بأعلى صوته الجهور معلنًا النصر، بينما كنا نلهث على السفح ونحاول التقاط أنفاسنا، ومنّا من خرّ على الأرض.

وفجأة، برز من بين الأشجار السوداء ثمانية رجال مسلحين. كان هو، بقامته الفارعة، يقف وسطهم كالمارد. لم يتفاجأ. أمسك بأحدهم وجعله درعًا، كما يحدث في أفلام الحركة الأمريكية، وحين حاولوا تحريره، أخرج قنبلة يدوية وسحب صمامها.

أدار جسده في حركة خاطفة، وحين اقتربوا فجّرها. سقطوا جميعًا ، ومات هو واقفاً .

في اليوم التالي، قيل إن الرئيس كان يقود المعركة بنفسه، وشاهد اللحظات الأخيرة لعثمان “فردة” من خلال تلسكوب، ثم صعد الي مروحيته وعاد إلى العاصمة ليَسكر ويحتفل بعيد الاستقلال الذي تزامن مع انتهاء المعركة، تاركًا على قمة الجبل الذي لا يعرفه أحد، مئات الجثث التي لن يذكرها أحد،إلا من خلال شمعة تُضاء كل عام في طقس روتيني بارد.

أما زوجته، فسألت عنه، فقيل لها إنه في مهمة عسكرية. عادت والدمع يملأ عينيها، وابنتها تهمس في حزن مكسور:
“نقستي لبي رحوق سفرا ”

وفي ليل المدينة البعيد هناك ، حيث تلمع أضواء الاحتفال فوق قصور القادة، وتقرع أنخابهم ،
كان هنالك جبل صامت، يحتضن جسد بطل رحل وهو يغني لإبنته ،ولم يبقَ من صوته سوى صدي بعيد ، تحمله الريح كأغنية أخيرة قبل المعركة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى