إبراهيم حالي - على ضفاف النهر و حواف المدافع...

الزمان أحد الأزمنة القاهرة؛ أزمنة الحروب التي لا يجيد صانعها إلا إشعالها، ولا يعرف طريق النصر فيها.

في تلك الليلة، على ضفاف نهرٍ مظلم، جلسنا أنا ورفيقي “تسفالدت”، الملقب بـ “شاكتي”، نستنشق عبق التراب الممزوج برائحة البارود، بعد أن نقّينا الأرض قليلًا من الشوك، ولفّنا أنفسنا بسماء داكنة بكماء، كأنها تغض الطرف عن معاناتنا، رغم ومضات الرصاص ولهيب المدافع.

لقد غاب عنّا النوم منذ اندلاع الحرب اللعينة؛ فإما كنا في قلب المعارك، أو على ظهر شاحنة تهدر بنا من جبهة إلى أخرى. وبينما الليل يثقل أجواءه بالصمت، سرح كل منا في ذكرياته، حتى جاء صوت شاكتي ليقطع سكوننا:
هل تعرف أحدًا من الجنود على الضفة الأخرى؟ أعني جنود العدو؟

ترددت في الإجابة، ثم قلت ببطء:
لا.. إطلاقًا.

ابتسم بمرارة وقال:
ولا أنا. ومع ذلك، نحن هنا، أنا وأنت، وغيرنا، لنقتلهم أو يقتلونا.

حاولت أن أجد ما أبرر به، فقلت:
المسألة ليست بهذه البساطة يا شاكتي. إنه الوطن، والدفاع عنه وعن تضحيات شهدائنا واجب.

هز رأسه بأسى وأجاب وابتسم بمرارة رأيتها رغم الظلام :
ليتها كانت حرب وطنية كما في السابق..لكنها للأسف حرب قادة ونفوذ.
صراع شخصي يُرجعنا نحن فحسب إلى المعارك. حين يتصالحون، يفترشون الحرير، ويقرعون في أنخابهم، وحين يختلفون..نكون نحن الحذاء الواقي من الشوك الذي زرعوه.

عاد السكون ليحتضننا من جديد.
لم نعد نتكلم، وغلبنا النعاس فوق الأرض المبللة بنسمات الليل الباردة، بينما ضفاف النهر تهمس بصوتٍ لا يسمعه سوى من يجلس على حافته:
أن المدافع والرصاص لا تعرف الوجوه، وأن الإنسان أحيانًا يكون مجرد ظل او رقم في دفتر متهالك في لعبة لا يدركها إلا القليل.

وفي عمق هذا السكون، تبقى الذكريات، مثل النهر الذي يمر هادئًا على ضفتين، يحمل معه قصصنا، أحلامنا، ورصاصنا الذي لم ينطق الأسماء.

ثم انهال صوت مدفع كصفير الريح العاتية، تلاه صرخة مكتومة. حاولت أن أتبين ما حدث، إلا أن الظلام حال بيني وبين الرؤية. ناديت شاكتي..شاكتي..فتسرب تحتي سائل دافئ، وابتلّت الأرض تحت جسدي، ولم يسمع رفيقي ندائي.

صرخت باسمه مرة أخرى، لكن لا صوت يجيب. ارتجفت أطرافي، والدم الدافئ يتحرك ببطء كأنه يكتب على التراب قصتنا الأخيرة.
حاولت أن أتمالك نفسي، فمددت يدي نحو النهر، أملاً أن ألمس الماء أو الضفة، أي شيء يمنحني إحساسًا بالثبات. لكن يدي اصطدمت بشيء صلب، وربما كان جذع شجرة أو بقايا سلاح، فجمّدني الخوف في مكاني.

سمعت فجأة خطوات ثقيلة على الضفة الأخرى، مكتومة، كأنها تتقاطع مع صرير الرياح. قلبت وجهي نحو الصوت، ولكن الظلام حال بيني وبين أي رؤية. شعرت بعينين تحدقان فيّ من بعيد، وبصيحة مكتومة حاولت ان أطلقها لم تفلح، وكأن الليل نفسه سرق حنجرتي قبل الضوء.

تذكرت كلام شاكتي قبل قليل: “الحرب لا تعرف الوجوه”. نعم، هذا صحيح، لم نعد نعرف من أمامنا، ولم يعد أمامنا سوى هذه اللحظة الحادة التي تحدد إن كنا سنبقى على ضفاف النهر أم سنغرق في صمتها.

فجأة، شعرت بيد باردة تمسك كتفي، وقبل أن أتمكن من الصراخ، سمعت همسًا مألوفًا:
أنا هنا يا رفيقي ..لا تقلق.

شاكتي. كان قد اقترب بصعوبة، رفعني قليلاً، بينما الأرض حولنا لا تزال مبللة والظلام يغلف كل شيء. لم نعد نتكلم، لم نعد نتساءل عن السبب أو العدالة، بل اكتفينا بالتمسك ببعضنا، وكأن مجرد وجود الآخر هو ما يمنحنا حياة مؤقتة على ضفاف هذا النهر الذي شهد أكثر مما يحتمل قلب إنسان.

وفي تلك اللحظة، أدركت أننا، رغم كل ما حدث، ما زلنا جزءًا من هذا النهر، من هذا الليل، من هذه الحرب التي لا تعرف أسماءنا. وأنه ربما، فقط ربما، سيكون في وسعنا أن نروي قصتنا قبل أن يغمرنا النسيان، قبل أن يبتلعنا الظلام او قبل ان تصهرنا نيران المدافع في الفراغ، وتبقى قصصنا مجرد همسات على ضفاف النهر..مثل ماء ينساب هادئًا علي خدود الرمل الناعمة ، لكنه لا ينسى وكأنه يبكي إنسانيتنا بصمت حزين ويرحل .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى