كلّ ما تبقّى هناك كانت ضحكةً معلّقةً في الهواء، ولحنًا حزينًا على وتر الربابة الوحيد.
كان "أقيسا" يضحك كمن لا يعرف للحزن بابًا، او لم يختبره يوماً ،وكأنما خُلق لنثر البهجة، ليغنّي ليرقص ويعزف على ربابته ذات والتر الوحيد ، فينطقها أعذب الألحان وكأنها أوركسترا متكاملة.
شابٌّ أبنوسيّ الملامح في منتصف عقده الثالث، معجونٌ بالفرح. حين يغنّي بلغته، تنساب مفرداتها عذوبةً ورقّة، تلامس القلوب وتعزف علي اوتار الحنين ،وتذيب قسوة البنادق وضنك العيش في الأحراش وسط الجبال .
وإذا ضحك، أطفأ نار الخوف وبث في قلوب الرفاق والرفيقات حماساً في خطوط التماس.
كنّا نقول إنّه فاكهة الكتيبة:
نصفه مطرب، ونصفه الآخر مقاتل،
أمّا قلبه فظلّ كقلب طفلٍ لم يكبر.
في إحدى المرّات كُلف بحراسة ، أسيرًا بعد المعركة لمحه يبكي وهو يتأمّل صورة طفلته الصغيرة.
رقّ قلبه، وتدحرجت دموعه على خدّه الأبنوسي الأغبش ، فلم يتحمل فأطلق سراحه.
كان عقابه شهرًا من الأشغال الشاقّة وعقوبة عسكرية قاسية ، كأنما ارتكب جريمة حرب،
لكنّه لم يأبه؛
ابتسم وهو يقضي عقوبته متصالحاً مع ذاته
وظل يضحك كأنّه لا يعاقب بل يستمع إلى نكتة جديدة .
حين انسحبنا من الخطوط الأمامية، تخلّف أقيسا عن الركب في أوّل مدينةٍ في طريقنا.
كانت مدينته التي احتضنت أحلامه وذكرياته، لم يغادرها يومًا إلا حين اندلاع تلك الحرب المسعورة التي انتزعته من دفئها وقطعت حبل احلامه.
اقترب منّي وهمس:
“اشتقتُ إليها.. سألحق بكم بعد أيّام.”
بحثوا عنه في في شوارع المدينة وحاناتها لم يجدوه ،
لم أجرؤ أن أبوح بسرّه الصغير،
وليتني فعلت.
مضت أسابيع حتّى عاد إلينا، لكن هذه المرّة مقيَّد اليدين.
حتّى في قيده، لم تفارق الابتسامة وجهه كان كوجه طفلٍ سعيد ، وكأنّ القيود لعبة يختبر بها الحياة، أو ثمنٌ بسيطٌ للقاءٍ قصير مع حبيبته في مهد الذكريات والأحلام.
جمعنا القائد وقرأ علينا من كتيّب الاحكام العسكرية كلماتٍ تتقطّر إرهابًا وترهيبًا ورصاصًا وموتًا:
أدناها سجنٌ طويل أو مؤبّد، وأعلاها إعدام وموت محتوم.
كانت كلماتٌ كالرصاص تكشّر عن أنياب انتقام، لا لتُعرف قوانين انضباط والتزام الجنود ،
كأنّها كُتبت بحبر حقدٍ مقيت في قبوٍ للأشباح، لا في أروقة قادة الجيش الفخمة الذين يعلّقون على صدورهم نياشين الوطن، وعلى أكتافهم رتبًا لامعة.
مع نهاية الاجتماع، كان الغروب ينسلّ مثل خيط دمٍ من السماء، وساد صمتٌ ثقيل في وسطنا، كأنّ أنياب الموت تحاصرنا وتترصّدنا من الأعداء والرفاق معًا.
وفجأة، دوّى صوت رصاصة يتيمة، شقّت السكون وجرحت ألوان الشفق في قلب المساء.
وحين عدنا، كان مكانه خاليًا!
لم نجد سوى بقعة دمٍ حمراء، والحبل الذي كان يقيّد يديه.
كأنّ الأرض ابتلعته،
لكنّه ترك ضحكته معلّقةً في الريح هناك.
منذ ذلك اليوم، صار أقيسا أغنيةً حزينة يتردد صداها على أنغام ذاكرة وتر ربابته اليتيم ،
وضحكةً عالقة بين جبهتين.. لم تنطفئ، ولن تعود.
لا يزال شبح قهقهتها يطارد هواجسنا .
كان "أقيسا" يضحك كمن لا يعرف للحزن بابًا، او لم يختبره يوماً ،وكأنما خُلق لنثر البهجة، ليغنّي ليرقص ويعزف على ربابته ذات والتر الوحيد ، فينطقها أعذب الألحان وكأنها أوركسترا متكاملة.
شابٌّ أبنوسيّ الملامح في منتصف عقده الثالث، معجونٌ بالفرح. حين يغنّي بلغته، تنساب مفرداتها عذوبةً ورقّة، تلامس القلوب وتعزف علي اوتار الحنين ،وتذيب قسوة البنادق وضنك العيش في الأحراش وسط الجبال .
وإذا ضحك، أطفأ نار الخوف وبث في قلوب الرفاق والرفيقات حماساً في خطوط التماس.
كنّا نقول إنّه فاكهة الكتيبة:
نصفه مطرب، ونصفه الآخر مقاتل،
أمّا قلبه فظلّ كقلب طفلٍ لم يكبر.
في إحدى المرّات كُلف بحراسة ، أسيرًا بعد المعركة لمحه يبكي وهو يتأمّل صورة طفلته الصغيرة.
رقّ قلبه، وتدحرجت دموعه على خدّه الأبنوسي الأغبش ، فلم يتحمل فأطلق سراحه.
كان عقابه شهرًا من الأشغال الشاقّة وعقوبة عسكرية قاسية ، كأنما ارتكب جريمة حرب،
لكنّه لم يأبه؛
ابتسم وهو يقضي عقوبته متصالحاً مع ذاته
وظل يضحك كأنّه لا يعاقب بل يستمع إلى نكتة جديدة .
حين انسحبنا من الخطوط الأمامية، تخلّف أقيسا عن الركب في أوّل مدينةٍ في طريقنا.
كانت مدينته التي احتضنت أحلامه وذكرياته، لم يغادرها يومًا إلا حين اندلاع تلك الحرب المسعورة التي انتزعته من دفئها وقطعت حبل احلامه.
اقترب منّي وهمس:
“اشتقتُ إليها.. سألحق بكم بعد أيّام.”
بحثوا عنه في في شوارع المدينة وحاناتها لم يجدوه ،
لم أجرؤ أن أبوح بسرّه الصغير،
وليتني فعلت.
مضت أسابيع حتّى عاد إلينا، لكن هذه المرّة مقيَّد اليدين.
حتّى في قيده، لم تفارق الابتسامة وجهه كان كوجه طفلٍ سعيد ، وكأنّ القيود لعبة يختبر بها الحياة، أو ثمنٌ بسيطٌ للقاءٍ قصير مع حبيبته في مهد الذكريات والأحلام.
جمعنا القائد وقرأ علينا من كتيّب الاحكام العسكرية كلماتٍ تتقطّر إرهابًا وترهيبًا ورصاصًا وموتًا:
أدناها سجنٌ طويل أو مؤبّد، وأعلاها إعدام وموت محتوم.
كانت كلماتٌ كالرصاص تكشّر عن أنياب انتقام، لا لتُعرف قوانين انضباط والتزام الجنود ،
كأنّها كُتبت بحبر حقدٍ مقيت في قبوٍ للأشباح، لا في أروقة قادة الجيش الفخمة الذين يعلّقون على صدورهم نياشين الوطن، وعلى أكتافهم رتبًا لامعة.
مع نهاية الاجتماع، كان الغروب ينسلّ مثل خيط دمٍ من السماء، وساد صمتٌ ثقيل في وسطنا، كأنّ أنياب الموت تحاصرنا وتترصّدنا من الأعداء والرفاق معًا.
وفجأة، دوّى صوت رصاصة يتيمة، شقّت السكون وجرحت ألوان الشفق في قلب المساء.
وحين عدنا، كان مكانه خاليًا!
لم نجد سوى بقعة دمٍ حمراء، والحبل الذي كان يقيّد يديه.
كأنّ الأرض ابتلعته،
لكنّه ترك ضحكته معلّقةً في الريح هناك.
منذ ذلك اليوم، صار أقيسا أغنيةً حزينة يتردد صداها على أنغام ذاكرة وتر ربابته اليتيم ،
وضحكةً عالقة بين جبهتين.. لم تنطفئ، ولن تعود.
لا يزال شبح قهقهتها يطارد هواجسنا .