ناجي ظاهر - امرأة الحب...

العزيزة سوالف
فاجأني طلبك الانفصال عني وعن بلدة الحب التي اقمناها معا. لم اكن اتصور ان يأتي يوم مثل هذا، تطلبين فيه مثل هذا الطلب.. فانت المليكة المتوجة الى جانب رتل من المليكات في بلدتنا الغالية علينا نحن، انا وثلتي، من العشاق الفلسطينيين.
ما الذي دفعك غاليتي لاتخاذ قرار المغادرة؟ اهو الزمن ام الروتين ام الحلم بالافق الاخر المختلف.. او الافق الاجمل كما رددت اكثر من مرة؟ الان وانت تتقدمين بمثل هذا الطلب اعود الى الماضي البعيد القريب دائما وابدا لاستعيد ما حصل منذ البداية حتى هذه اللحظة القاتلة المصوبة الى صميم بلدتنا وقلبنا.
يومها جلست الى صحبي واصدقائي في مدينة الملل، مدينتنا القديمة، وشرعت بالتشاور معهم فيما عسانا نفعل كي نقضي على وحدتنا وسأمنا. اقتعدنا الارض وطالت قعدتنا ولم نصل الى اي نتيجة. بعدهاعدنا الى جلسة اخرى..
في الجلسة الثالثة هيمن علينا المزيد من الملل والوحدة، فراح كل منا يرسل نظره في الافق الاخضر البعيد.. القريب.. وكنت اول من شاهد حصانه الابيض واقفا هناك ينتظر من يأتي اليه ليخرجه من استكانة الاجواء المحيطة. بسرعة ادهشت جلسائي قبل ان تدهشني عدت الى طفولتي هناك، في قريتنا المهجرة سيرين، فلاحت لي صورتك انت صديقة الطفولة وحبيبتها. وسرعان ما ربطت بينك وبين حصاني، وفاجأت جلسائي بقراري ان اطير بحصاني الابيض الى هناك حيث تمكثين في عالم السحر والجمال، وان اقوم بفعل غير مسبوق في تاريخنا.
اطلعت جلسائي وهم من المئات من القرى المهجرة في ربوع بلادنا الجديبة، على قراري فما كان منهم الا ان يرسلوا ابتسامة تشبه تلك التي ارسلتها قبل قليل، وكأنما نحن نتواطأ على امر واحد..
هرعنا كلنا الى احصنتنا في الخلاء الرحب، وجرينا وراءها وجرت امانا حتى ادرك كل منا حصانه بطريقته الخاصة. عندما امتطينا احصنتنا بدت الصورة مذهلة في حسنها وجمالها. ما اروع ان يقف الحصان الابيض، حصاني، الى جانب الادهم والاشهب والاجون، الصورة بدت حينها كاملة متكاملة، لا ينقصها الا ما تواطأنا عليه مجتمعين، من مشاعر تعيدنا الى امنا الطبيعة بكل ما لدينا من حنو وحنان تجاهها.
بلا طول سيرة انطلق كل منا باتجاه قريته المهجرة.. وسرعان ما وجدت نفسي وحيدا اغذ الانطلاق الى قريتي الحالمة حيث تركتك صغيرة.. هناك في القرية وعلى اراضيها الدافئة، تخطيت العقبات كلها تجاوزت الجنود، الدبابات والطائرات، ووصلت اليك متخطيا الانفاق واحدا تلو الآخر، عندما اقتربت منك.. هناك في اعماق غياهب عتمتك، كنت استهدي انطلاقي اليك بشعلة من نور سرعان ما اكتشفت انها وجهك. اقتربت.. من وجهك المنير.. ما اجمل ان يلتقي المرء بماضيه.. ما اجمل ان يكبر الماضي بالضبط كما نكبر نحن. كنت اجمل بما لا يقاس مما كنت عليه عندما تركتك. لم نكن عندها بحاجة لأن يعرف الواحد منا الآخر.. خرجت انت من الذاكرة وكذلك فعلت، وباتت السنوات الفاصلة بيننا هباء في هباء.. بسرعة البرق مددت يدي فامتدت يدك اليها لاجذبك برقة البرق، ولانطلق بك طائرا فوق الجبال المسترخية بحنو، جبال بلادي. باتجاه بقية الاحصنة تحمل فرسانها ووراء كل منهم محبوبته.
طرنا وطرنا وطرنا.. طرنا معا.. وكانت وجهتنا واحدة موحدة.. كنا منطلقين الى هناك.. الى بلدة السحر والجمال..
غاليتي سوالف
هناك على ارض خصيبة تكسو الخضرة التلال المحيطة بها وتتجول الخيول العربية الاصيلة اقمنا بيوتا عزها فاق الخيال.
هنا اتوقف عن الكلام، لانه لا يوجد ما اضيفه الى ما سبق وقلته، في رسالتي هذه، سوى انني كنت اراك كل لحظة امرأة جديدة متجددة.. امرأة بألف وجه ولون.. امرأة الحب الابدية.. انني اتوجه اليك بهذه السوالف.. يا سوالف، وكلي امل ان تعدلي عن قرارك بالانفصال.. اذكرك ان ما جمع بيننا اكثر بكثير مما فرق.. فعودي الي.. عودي الينا، انا وصحبي، في مدينة السحر والجمال.. عودي لنبعث فيها الروح مجددا.. عودي لنبعث الحب.

( الناصرة)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...