لم يَكن الّلقاءُ بينهما عينًا إلى عين، بل حبرًا في حبر، وشِعرا إلى شعر، تشابكت رؤاهما في عشقِ فراشةٍ احترقت في أنثويّةِ الكون، وتعانقت أرواحهما في هوامشَ لم يكتبها أحد.
كانا عشيقين من طرازٍ نادر، لا تثيرهما إلا استعارةٌ أدبيةٌ كأنَّها الشَّهوةُ الجنسية، لكنَّ الغَيرة كانت تتجلَّى كنصٍ مهترئ، فهي تغار كما يفعل الذين يشعرون بالتهديد، وكان هو يغار كما يفعل المفكرون حين يُساء فهم المعنى المشترك، لم تتقاطع غيرتهما إلا كخيطين مشدودين في اتجاهين متعاكسين...؛ ومن هنا دخل شيطان الفِراق؛ كأنَّ السماءَ بينهما انشقّت، و"أذنت لربها وحُقّت".
هي التي قرأت فيه رفيقًا للعقلِ والهاوية، أرادت أن تُجرَّب طمأنينةَ الجسدِ، فطلبت اللقاءَ لتلمس يدَه التي تكتب الفكرةَ وتمصَّ لسانَه الذي يقول الشِعر...!
وهو الذي كانَ يظنُّ أنَّ العشقَ يُولَد من تلاقح الأفكار، وتشابه النظرةِ إلى الحياة، أدركَ فجأةً أنَّ العشيقةَ لم تعد تُريده رفيقًا للفكر، بل جسدًا يُثبت لها أنَّ ما بينهما حقيقيّ، عندها علم لماذا "انشقت السماء فكانت وردةً كالدهان"؛ لأنَّ الأرضَ قالت لها: لنُجرّب أن نُحبّ كما يفعل الناس. وأدركَ العشيقُ أنَّها لا تعرفه بعد.
افترقا إلى الأبد...؛
ربما لأنَّ العشقَ عنده طريقٌ يُفضي إلى المعنى، وعندها طريق لا يُعبّد إلا بإسفلت الجسد.
.
.
وبعد عامين من الصمت، وفي ليلةٍ لم تكن مختلفة عن غيرها رآها في المنام؛ في حلمٍ كأنَّه طارقٌ من سراديب اللاوعي:
كان يقفُ في فناءِ منزلٍ لا يعرفه، لكنّه أحسَّ بشيءٍ فيه يخصها، ربما رائحة ظلها، بحَّةُ صوتها التي تُشْبه حفيفَ شجرةٍ مثمرة، أو ربما الحنين الذي يخلق أمكنةً لا وجود لها. توقَّف في الفناء وتذكَّر أنَّه قد وعدها أن يُخبرها حين يصل إلى هذا المنزل الغامض، لكنَّه تفاجأ أنَّها الآن تمرّ أمامه ولم تره، كأنَّ حضورَه لم يعد له ملامح، صار كأنَّه هواءْ ...! لم تره وهي التي كانت تراه بقلبها على بُعدِ ما بين الحجاز ونجد.
"مرت ولا حتى تلتفت"، دخلت المجلسَ وأغلقت البابَ وراءها. كان للمجلس ثلاث درجات ترفعه عن الفناء، فجاء مستوى الباب موازيًا لعينيه، وكان أعلاه معتمًا وأسفله شفَّافًا، ومن خلال النصف الأسفل رأى ساقين لا يُشبهانها: غليظين، غريبين، بهما شَعر الذكورية كله، كأنَّ الجسدَ الأنثويَّ لم يَعُد لها، أو كأنَّها استعارت جسدًا من تاريخ الغربة.
ارتبكَ ورأى المعنى يتساقط أمامَ عينيه كما يتساقط الرطبُ على مريم، غير أنَّ قلبَه لم يكن نُفَساءَ فيمتدَّ إليه الثمر، بل كانَ سارحًا في ملكوتِ الدهشةِ فتهشّم المعنى على الأرض، وظلَّ العشيقُ في دوامةِ التَعجّب كأنَّّه من الجنِ الذين استمعوا فقالوا: "إنَّا سمعنا قرآنا عجبا" لكنَّه لم يهتدِ إلى الرشد، بل حَدَّقَ في ساقيها وأطالَ النَّظر، لعلَّ اللهَ يُغيّر السَّاقَ من حالٍ إلى حالِ. لكنَّ ذلك لم يَكن بل فُتِح بابُ المجلسِ وخرجت العشيقةُ ورأته يُحدّق في أسفلِ الباب كمن مسه طائفٌ من الجن، ابتسم في وجهها فجأةً لكنَّه عادَ مغتربًا لمَّا وجدها تنظر إليه باستنكارِ الذي رأى شخصًا غريبًا، كانت نظرتُها عابرةً صامتةً، لا تُشبه تلك النَّظرة التي كانَ يشعر بها وهي تكتب له حين كانت الجملة ترتجف كأنَّها تعرف مَن سيقرؤها.
قرر ألا يُعلِّمَها بوصوله، ما دام المعنى قد انتفى...! غادر البيتَ غير أنه شعر بشيءٍ يؤنبه، شيء لا علاقة له بالحب، بل بشيء يُشبه الخيانة: خيانة صورة مشتركة لم يعد أيٌّ منهما يعرفها.
حين ركب السيارة ليرحل عن هذا المنزل الغريب، فتح بابَ السيارة فجأةً صديقُه القديم، كأنَّ الحلم يحتاج إلى عبثٍ إضافي...! كان هذا الرفيقُ منذ أيام الربيع العربي يتقن التشدّقَ بلغةِ النِّضال، لم يكن لديه بيتٌ خاصٌ لكنَّه يسكن في بيتِ العائلة الكبير، ويتصرف كأنَّه ضيفٌ على طبقةٍ مخمليّةٍ لم يخترها، يُقنع نفسَه بسذاجة: "ما دامت المِلْكية ليست باسمه فإنَّ نضاله نقيًا، وأنه لم يتورط بعدُ في جُرم التملك". وهكذا من عمق اعتماده الكامل على رعاية الأسرة كان يُعلن استقلاله. هذا الإيمان لم يُبنَ على تجربةِ استقلالٍ حقيقية، بل على الطفولة المدللة تحت رعاية العائلة المتضخمة، لم يكن ساذجًا بالمعنى التقليدي، لكنه ساذج بالمعنى المتعالي الذي يرى العالم كله من ثُقب صراع الطبقات، الصراعِ الذي يُحلله من على سرير العائلة وبصوت مرتفع في منشورات الفيس بوك ومواقع النضال المجهّزة بالمايكرويف. كان يلوك الشعارات وهو يشرب ويأكل من ثلاجة العائلة المخملية، وإذا واعد مناضلًا مثله شربا وآكلا من بطاقة العائلة الائتمانية. لم يره العشيقُ في الحلم إلا عبئا يتكلم، وجسما بلا نضج، كطفلٍ تغوّط في مجلسٍ يعجّ بالرجالِ وظلَّ ساكتًا يظنُّ أنَّ الصمتَ يُخفي الرائحةَ، وأنَّ الرجالَ لم يعلموا أنَّه هو، بينما الحقيقة أنَّ الجميع علم بذلك، لكنه كان الوحيد الذي آمن أنَّ التظاهر بالبراءةِ يُبقيه خارجَ دائرة الإدانة. كان صادقًا في كَذبه، مخلصًا لفكرٍ لا تستطيع شخصيتُه العاجزة أن تعيش تبعاته.
تقاطعت مصائر الثلاثة في الحلم:
هي التي نسيت ملامحه، وهو الذي حاول أن ينسى ألمها، والصديق الذي يَظهر دائمًا حين لا يتسع له المشهد، كمن يقتحم مسرحًا بعدما أُغلِقَت الستارة.
ربما أراد الحلم أن يقول له:
هذا البيت الذي سَكَنَت فيه الحبيبةُ وظنَنْتَه حاضنًا للذاكرة ليس بيتك، وهذه العشيقةُ التي كتبتَ فيها فصولًا من شغفٍ فكري لم تعد ترى فيك سوى ذلك الذي مرَّ بصمتٍ ولم يطرق الباب، وأما ذلك الرفيقُ فظل طفيليًّا؛ لأنَّه لم يجد له شخصيةً فاستعار ظلك، وراح يُقاتل به طواحينَ الهُراء، كأنك أنتَ مَن عليه أن يُدوّي في معاركه الخاطئة.
هكذا خرج من الحلم، كما يخرج من نصٍ لم يُكمل فقرتَه الأخيرة:
صحا من نومه وبدأ يُجهّز قهوتَه، كان الماء يغلي ببطء على غير العادة، كأنَّ العالم ليس مستعجلا على رجوعه...! فتح النافذة وأطلّ على فناءِ منزله فتذكّر فناءَ منزلِ العشيقة، وخُيّل إليه بابًا أُغلِقَ على ساقين لم تعودا أنثويّتين، وعشيقةً مرّت بنظرةٍ ملساء، لا ذاكرة فيها، كأنَّها لم تُشاركه يومًا جملة واحدة، وصديقًا محترقًا يُلوّح بغضبه من النافذةِ الخلفية في سيارة أبيه الفاخرة، كأنه طفل يحتج على العالم، لأنه لم يكبر بعد.
كانا عشيقين من طرازٍ نادر، لا تثيرهما إلا استعارةٌ أدبيةٌ كأنَّها الشَّهوةُ الجنسية، لكنَّ الغَيرة كانت تتجلَّى كنصٍ مهترئ، فهي تغار كما يفعل الذين يشعرون بالتهديد، وكان هو يغار كما يفعل المفكرون حين يُساء فهم المعنى المشترك، لم تتقاطع غيرتهما إلا كخيطين مشدودين في اتجاهين متعاكسين...؛ ومن هنا دخل شيطان الفِراق؛ كأنَّ السماءَ بينهما انشقّت، و"أذنت لربها وحُقّت".
هي التي قرأت فيه رفيقًا للعقلِ والهاوية، أرادت أن تُجرَّب طمأنينةَ الجسدِ، فطلبت اللقاءَ لتلمس يدَه التي تكتب الفكرةَ وتمصَّ لسانَه الذي يقول الشِعر...!
وهو الذي كانَ يظنُّ أنَّ العشقَ يُولَد من تلاقح الأفكار، وتشابه النظرةِ إلى الحياة، أدركَ فجأةً أنَّ العشيقةَ لم تعد تُريده رفيقًا للفكر، بل جسدًا يُثبت لها أنَّ ما بينهما حقيقيّ، عندها علم لماذا "انشقت السماء فكانت وردةً كالدهان"؛ لأنَّ الأرضَ قالت لها: لنُجرّب أن نُحبّ كما يفعل الناس. وأدركَ العشيقُ أنَّها لا تعرفه بعد.
افترقا إلى الأبد...؛
ربما لأنَّ العشقَ عنده طريقٌ يُفضي إلى المعنى، وعندها طريق لا يُعبّد إلا بإسفلت الجسد.
.
.
وبعد عامين من الصمت، وفي ليلةٍ لم تكن مختلفة عن غيرها رآها في المنام؛ في حلمٍ كأنَّه طارقٌ من سراديب اللاوعي:
كان يقفُ في فناءِ منزلٍ لا يعرفه، لكنّه أحسَّ بشيءٍ فيه يخصها، ربما رائحة ظلها، بحَّةُ صوتها التي تُشْبه حفيفَ شجرةٍ مثمرة، أو ربما الحنين الذي يخلق أمكنةً لا وجود لها. توقَّف في الفناء وتذكَّر أنَّه قد وعدها أن يُخبرها حين يصل إلى هذا المنزل الغامض، لكنَّه تفاجأ أنَّها الآن تمرّ أمامه ولم تره، كأنَّ حضورَه لم يعد له ملامح، صار كأنَّه هواءْ ...! لم تره وهي التي كانت تراه بقلبها على بُعدِ ما بين الحجاز ونجد.
"مرت ولا حتى تلتفت"، دخلت المجلسَ وأغلقت البابَ وراءها. كان للمجلس ثلاث درجات ترفعه عن الفناء، فجاء مستوى الباب موازيًا لعينيه، وكان أعلاه معتمًا وأسفله شفَّافًا، ومن خلال النصف الأسفل رأى ساقين لا يُشبهانها: غليظين، غريبين، بهما شَعر الذكورية كله، كأنَّ الجسدَ الأنثويَّ لم يَعُد لها، أو كأنَّها استعارت جسدًا من تاريخ الغربة.
ارتبكَ ورأى المعنى يتساقط أمامَ عينيه كما يتساقط الرطبُ على مريم، غير أنَّ قلبَه لم يكن نُفَساءَ فيمتدَّ إليه الثمر، بل كانَ سارحًا في ملكوتِ الدهشةِ فتهشّم المعنى على الأرض، وظلَّ العشيقُ في دوامةِ التَعجّب كأنَّّه من الجنِ الذين استمعوا فقالوا: "إنَّا سمعنا قرآنا عجبا" لكنَّه لم يهتدِ إلى الرشد، بل حَدَّقَ في ساقيها وأطالَ النَّظر، لعلَّ اللهَ يُغيّر السَّاقَ من حالٍ إلى حالِ. لكنَّ ذلك لم يَكن بل فُتِح بابُ المجلسِ وخرجت العشيقةُ ورأته يُحدّق في أسفلِ الباب كمن مسه طائفٌ من الجن، ابتسم في وجهها فجأةً لكنَّه عادَ مغتربًا لمَّا وجدها تنظر إليه باستنكارِ الذي رأى شخصًا غريبًا، كانت نظرتُها عابرةً صامتةً، لا تُشبه تلك النَّظرة التي كانَ يشعر بها وهي تكتب له حين كانت الجملة ترتجف كأنَّها تعرف مَن سيقرؤها.
قرر ألا يُعلِّمَها بوصوله، ما دام المعنى قد انتفى...! غادر البيتَ غير أنه شعر بشيءٍ يؤنبه، شيء لا علاقة له بالحب، بل بشيء يُشبه الخيانة: خيانة صورة مشتركة لم يعد أيٌّ منهما يعرفها.
حين ركب السيارة ليرحل عن هذا المنزل الغريب، فتح بابَ السيارة فجأةً صديقُه القديم، كأنَّ الحلم يحتاج إلى عبثٍ إضافي...! كان هذا الرفيقُ منذ أيام الربيع العربي يتقن التشدّقَ بلغةِ النِّضال، لم يكن لديه بيتٌ خاصٌ لكنَّه يسكن في بيتِ العائلة الكبير، ويتصرف كأنَّه ضيفٌ على طبقةٍ مخمليّةٍ لم يخترها، يُقنع نفسَه بسذاجة: "ما دامت المِلْكية ليست باسمه فإنَّ نضاله نقيًا، وأنه لم يتورط بعدُ في جُرم التملك". وهكذا من عمق اعتماده الكامل على رعاية الأسرة كان يُعلن استقلاله. هذا الإيمان لم يُبنَ على تجربةِ استقلالٍ حقيقية، بل على الطفولة المدللة تحت رعاية العائلة المتضخمة، لم يكن ساذجًا بالمعنى التقليدي، لكنه ساذج بالمعنى المتعالي الذي يرى العالم كله من ثُقب صراع الطبقات، الصراعِ الذي يُحلله من على سرير العائلة وبصوت مرتفع في منشورات الفيس بوك ومواقع النضال المجهّزة بالمايكرويف. كان يلوك الشعارات وهو يشرب ويأكل من ثلاجة العائلة المخملية، وإذا واعد مناضلًا مثله شربا وآكلا من بطاقة العائلة الائتمانية. لم يره العشيقُ في الحلم إلا عبئا يتكلم، وجسما بلا نضج، كطفلٍ تغوّط في مجلسٍ يعجّ بالرجالِ وظلَّ ساكتًا يظنُّ أنَّ الصمتَ يُخفي الرائحةَ، وأنَّ الرجالَ لم يعلموا أنَّه هو، بينما الحقيقة أنَّ الجميع علم بذلك، لكنه كان الوحيد الذي آمن أنَّ التظاهر بالبراءةِ يُبقيه خارجَ دائرة الإدانة. كان صادقًا في كَذبه، مخلصًا لفكرٍ لا تستطيع شخصيتُه العاجزة أن تعيش تبعاته.
تقاطعت مصائر الثلاثة في الحلم:
هي التي نسيت ملامحه، وهو الذي حاول أن ينسى ألمها، والصديق الذي يَظهر دائمًا حين لا يتسع له المشهد، كمن يقتحم مسرحًا بعدما أُغلِقَت الستارة.
ربما أراد الحلم أن يقول له:
هذا البيت الذي سَكَنَت فيه الحبيبةُ وظنَنْتَه حاضنًا للذاكرة ليس بيتك، وهذه العشيقةُ التي كتبتَ فيها فصولًا من شغفٍ فكري لم تعد ترى فيك سوى ذلك الذي مرَّ بصمتٍ ولم يطرق الباب، وأما ذلك الرفيقُ فظل طفيليًّا؛ لأنَّه لم يجد له شخصيةً فاستعار ظلك، وراح يُقاتل به طواحينَ الهُراء، كأنك أنتَ مَن عليه أن يُدوّي في معاركه الخاطئة.
هكذا خرج من الحلم، كما يخرج من نصٍ لم يُكمل فقرتَه الأخيرة:
صحا من نومه وبدأ يُجهّز قهوتَه، كان الماء يغلي ببطء على غير العادة، كأنَّ العالم ليس مستعجلا على رجوعه...! فتح النافذة وأطلّ على فناءِ منزله فتذكّر فناءَ منزلِ العشيقة، وخُيّل إليه بابًا أُغلِقَ على ساقين لم تعودا أنثويّتين، وعشيقةً مرّت بنظرةٍ ملساء، لا ذاكرة فيها، كأنَّها لم تُشاركه يومًا جملة واحدة، وصديقًا محترقًا يُلوّح بغضبه من النافذةِ الخلفية في سيارة أبيه الفاخرة، كأنه طفل يحتج على العالم، لأنه لم يكبر بعد.