شريف محيي الدين إبراهيم - العابر الأخير...

لم يكن يمرّ فقط.
كان يتبعني.

أول مرة رأيته، كنتُ صبيًّا في العاشرة،
ألعب بالرمال ، أبني قِبابًا صغيرة كمآذن وهمية،
أزرعها في فناء البيت كأنني أُقيم صلاتي الخاصة.

ظهر عند باب الدار رجلٌ غريب، نظر إليّ طويلاً. لم يتكلم.
خطا سبع خطوات، ثم اختفى.

صرخت:
ـ يا أبي، ثمة رجل يحدّق بي!

مسح أبي على رأسي… وصمت

الخطوة الأولى: بذرة الظل

وراء السور، رماح.... شابٌ أشعث يهمّ بسرقة شيء،
لمحته... هرب... لكنني لم أنسَ وجهه.
تكوّنت في ذاكرتي صورتان: رجل الظل، و رماح لصّ الفناء.
وانتظرتا عند كل منعطف من العمر.


---


تزوجتُ فاطمة
وأنجبتُ أولادًا،
كنت بينهم، ولم أكن معهم.
إذ كنت أراه، هو، دومًا:
على عتبة المسجد بعد العشاء،
خلف جنازة في المقبرة،
عند عمود الضوء حين ألقي خطبتي…
يمشي سبع خطوات، ثم يذوب في العدم.
أنا الشيخ حسن، إمام جامع النور،
لكن مذ رأيته… نسيت من أكون

---

حين مات أبي، لم أبكِ.
قرأت عليه "يس"، وصوتي يخرج كصخرٍ يُجَرّ فوق القلب.
كان هناك، في الخلف. لم يأتِ مع الناس، بل جاء وحده.

عيناه بلا سواد، ولا بياض… بل رماد.

قال لي :
ـ حان دورك لتتذكّر.

اقتربت مني فاطمة ، وهمست:
ـ حسن... ما الذي بدّل وجهك هكذا؟

لم أجب.


---

الخطوة الثانية: الغياب

في اليوم التالي، وجدت رماح ، ينتظرني عند باب الجامع.

كان يسرق رغيف خبز من يد طفل، ثم يعيد نصفه مبتسمًا.
وحين اقتربتُ، قال بصوت يشبه الريح:

ـ أسرق كل شيء... إلا الموت.
ذاك لا يُؤخذ، بل يأتي كضيفٍ يذكّرك باسمك القديم.

ثم خطا… واختفى.

ألقيت خطبة الجمعة في جامع بعيد،
تحدّثتُ عن الرحمة، وقلبي يلهث.
في الصف الأخير، كان رمّاح.
لا يُصلّي، بل ينظر إلى الأرض،
وحين التقت أعيننا، رفع سبابته،
أشار سبع مرات، وابتسم.


---

الخطوة الثالثة: النقيض

ذهبت إلى الشيخ عبد الودود، معلمي القديم،
حين رآني، لم يسأل.
قال:
ـ يا حسن هل أدركتَ الظل؟
همست:
ـ أهو أنا؟ أم شيءٌ يسبقني؟
أجاب:
ـ هو أنت، إذا نسيت.
وغيرك، إذا تذكّرت.
ناولني مرآةً صغيرة، بحجم الكف:
ـ احتفظ بها. سترى بها ما لا يُرى، حين تناديك الأرض.
ثم التفت إلى السماء، وقال:
ـ حتى رمّاح… صار يتذكّر أكثر منك.


---

الخطوة الرابعة : التماهي
قال الناس: هذا شيخٌ له كرامات.
صاروا يطلبون بركتي قبل الزواج والموت.
حتى أولادي نسوا اسمي،
نادوني: مولانا.
كنت أبتسم،
لكنني أعلم أنني عبدٌ،
يتذكّر قليلاً،
وينسى كثيرًا…
إلا وجهه.


---

الخطوة الخامسة: القداسة

في مساءٍ بلا رياح، ولا سكينة،
رأيته يقف عند باب الجامع.
سبع خطوات…
تقدّم.
كان يشبه أبي… وكان يشبهني.
قال:
ـ الآن فقط، يصير الظلّ بابًا.
نظرت إلى بيتنا القديم.
ليلى تغسل يديها وتدندن.
ابني يخطو في الصالة.
تذكّرت كعك العيد، وضوء الفجر، وضحكات ناعسة.
قلت:
ـ لم أضمّهم كما ينبغي.
لم أعترف بخوفي.
لم أُعشْ بما يكفي.
قال:
ـ الحياة ليست ما تنسى،
بل ما تتذكّره، حين ينطفئ كل شيء.


---

الخطوة السادسة: التجلي

حين انقطع الصوت بين الأذان والإقامة،
دخلتُ الجامع.
وحدي.
الصفوف خالية،
السجادة تمتد كأفق أخير.
كان ينتظرني.
لكنّه لم يكن ظلًّا…
بل حضورًا، يملأ المكان.
اقتربت سبع خطوات.
لا أدري أكنت أمشي، أم يُساق كياني نحوه.
رأيت في عينيه كل من ماتوا…
أبي، أمي، طفولتي، وهي تنحلّ كدخان.
قلت:
ـ أأنت هو؟
أجاب:
ـ بل أنا أنت… إذا انتهيت.
سألته:
ـ وما الحقيقة؟
أشار إلى جسدي:
ـ ما يزول ليس أنت.
وما يبقى، لا يُعرَف إلا إن انحللت.
سجدت.
ولم أرفع رأسي.
ورأيت للحظة خاطفة، الحياة كما هي:
دهشة،
ثم خوف،
ثم نسيان،
ثم سؤال لا يُجاب.


---

الخطوة السابعة: الحقيقة

في الصباح، وجدوني على سجاد المحراب، ساكنًا.
قال المؤذّن:
سمعتُ صوته يردّد الأذان في المنام.
بكت فاطمة ، همست :
نام… كأنه ينتظر أحدًا.
الأبناء وقفوا في صمت،
اختلفوا حول كل شيء،
إلا أن وجهي لم يكن كما عرفوه.
وفي غفلة من الضجيج،
دخل الابن الأصغر غرفتي.
الساعة كانت متوقفة.
والمصحف مفتوح على "الزلزلة".
جلس الابن طويلًا، نظر في المرآة.
لم يرَ نفسه تمامًا،
بل رأى رجلاً ممددًا على السجادة،
وآخر واقفًا خلفه،
وشيخًا يبتسم في صمت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...