اياد شماسنة - النبيُّ...

قالوا:
كان يحملُ في قلبه
مدناً من ذهب،
ويكتبُ أسماءها على العاصفة.
كان يشربُ قهوتهُ من فمِ الغيم،
ويُشعلُ أصابعه
من حريق
صنعه التتار
للكتبِ السماوية.
كان وحيداً
كصوتِ امرأةٍ لا تُصدّق
أن الحبَّ حقيقة،
يمشي في الليلِ حافياً،
ويصافحُ الذئابَ
كأنها أبناؤه.
كان يُحدّثهم عن الله
بصوتٍ منخفضٍ،
كمن يُخبرُ طفله
أن الموتَ ليس النهاية،
بل مقطعاً موسيقيًا
في آخر الأوبرا.
جريمته:
أنه تكلّم عن العدل،
في زمنٍ تُباع فيه المقاصلُ في المزادات،
وحين كتب عن الحنان،
أحرقوا أوراقه،
واتّهموه بالهرطقة.
كان إذا تنفّس
اهتزّت المقاماتُ السلطانية،
وإذا ابتسم
ضاعت قواعدُ النحو في الزمن البغيض.
كان نبيًّا…
لكنّه لم يأتِ بمعجزة،
جاءَ بلَفظٍ صحيح،
وجملةٍ لا تحتملُ تأويلاً،
وقلبٍ بلا سيف.
قتلوه في فجرٍ بلا مؤذّن،
وضعوه في صندوقِ بريدٍ قديم،
وأرسلوا رأسه
إلى حضرة السلطان
كي يفرح.
لم يبكِ أحد،
فهو لم يكن نبيَّ السوق،
ولا مهرّجَ الملوك،
كان النبيّ الأخير للخطأ الجميل،
والوحي المنسيّ في جيب شاعرٍ فقير.
أما أنا،
فقد رأيتُه في منامي الأخير،
كان يضحك،
ويكتب قصيدةً على جدارِ قبره:
“أنا النبيُّ الذي قتلوه
كي لا تلدَ اللغةُ أنبياءَ جُدد.”
ثم طار.
نعم، طار،
كأنّ الحرفَ
جناحٌ…
والقافيةَ
سماء

اياد شماسنة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...