تغيّر أبي كثيرًا!!
لم يكن الأمر مجرّد كِبَرٍ في السن، أو مرضٍ خفي، بل حزنٌ كثيفٌ يسكن عينيه، كأنّهما تحملان كلَّ قبحِ العالم.
كان يجلس بالساعات، لا يتحرّك، يتأمّل الجدران كأنّها شقوقٌ في ضمير البشرية.
يرى الأخبار، فيُغلق التلفاز دون تعليق.
يرى الناسَ في الشارع، فيشيح بوجهه، كأنّه لا يطيق النظر إلى زيفهم، كأنّه يرى وجوهًا بلا أرواح، وأجسادًا تتحرّك على كراهيةٍ مزروعةٍ منذ أجيال.
لم يكن أبانا الذي نعرفه.
كنّا نراقبه في حذر. أصحابه تراجعوا واحدًا تلو الآخر.
وصار الجيران يسألوننا بصوتٍ خفيض:
"ماذا حدث له؟!"
وأمّي… كانت أكثرَنا رفضًا لما يحدث. كانت تراقبه بعينِ امرأةٍ رأت العالم يُسرق من يدِ رجلِها قطعةً قطعة، وظلّت تقاتل وحدها كي لا يُسحب من بيننا.
تتحرّك في البيت بعصبية، تصفع الهواء بكلماتها:
"إنت بتضيّع نفسك بإيدك!"
"هوّ انت أول واحد يشوف قرف في الدنيا؟!"
لكن ما حطّمه لم يكن فقط ما جرى له في عمله، حين فضح فسادًا إداريًّا كبيرًا، وظنّ أن الحقيقة ستنتصر… فحُوكِم هو، ونُقل تعسفيًّا، ونُسيت كرامته في أرشيفٍ متهالك.
رجع إلى البيت منهارًا، وقال:
"أنا وقفت عريان في وشّ الغول... والغول ما وقعش، أنا اللي اتكسرت."
لكن ما انكسر فيه، كان أعمق من الظلم.
بدأ يرى العالم كخريطة خراب:
حروبٌ لا تنتهي، أطفالٌ يُقتلون بقنابل ذكية، دولٌ تصنع الموت وتُدين من يستخدمه.
قال:
"العالم اتقلب شركة... البشر بقَوا منتجات، والموت بقى عرض خاص."
وأضاف:
"المؤامرة مش خرافة… المؤامرة نظام تشغيل."
طَفِق يقرأ كتبًا عتيقة من سوقٍ خفيّ، وجعل يكتب رموزًا غامضة، ويحرقها فوق طبقٍ نحاسي.
رأته أمي يحرق ورقة، فصرخت:
"إنت مش مطلوب منك تحلّ كل مشاكل العالم!!"
لكنه قال بهدوءٍ غريب:
"أنا شايف… واللي بيشوف ما بيرجعش."
قالت باكية:
"ما كلنا شايفين!"
ردّ:
"لا… أنتم بتتفرجوا. أنا شُفت."
كانت تقف على باب الغرفة، ترتجف، تمسك طرف شالها كأنّها تتشبّث بحياتها القديمة، وبالرجل الذي أحبّته.
قالت لي ذات ليلة:
"أبوك بيتغيّر... بس أنا كمان بتكسّر، وما حدش شايفني."
كان يحدّق في الظلال كما لو أنّها تهمس له.
وذات مرة قال:
"فيه باب جوّا كل واحد فينا… الكارثة لما يتفتح فجأة."
وذات مساء، وقف أمامي طويلًا، كأنّه يقيس ملامحي بروحه لا بعينيه، ثم قال:
"سأُريك شيئًا… ولكن لا تُكذّب ما ستراه، ولا تُصدّقه تمامًا."
ولم أعرف: هل سيأخذني إلى مكانٍ حقيقي، أم إلى حلمٍ لا يخصّني وحدي؟
كان الجوّ عاصفًا، والمطر يهطل بغزارة.
لكن المطر كان يُصدر صوتًا غريبًا، أقرب إلى بكاء نساء، أو أنينٍ قادم من طبقاتٍ بعيدة من الأرض.
في عربةٍ قديمة، تسير في طُرُقٍ بلا معالم، كان أبي جواري،
يقود السيارة وهو صامت.
الطرقات تمتدّ كأنّنا نعبر فراغًا بين مدينتين لم تُبنيا بعد.
انطفأت أنوار الشوارع، ودخلنا زقاقًا ضيقًا...
كانت ثمة أبواب كثيرة مغلقة، ووجوهٌ بلا أعين، وسلالم لا تقود إلى مكان.
شيءٌ ما كان خاطئًا!!
المطر لا يُبلّل العربة، والأرض لا تترك أثرًا!!
أوقف أبي السيارة، طرق بابًا متهالكًا، كأنّه ينتظر حضورَنا منذ قرون.
فُتح الباب، وكان وراءه رجلٌ بلحيةٍ طويلة، ووجهٌ لا هو حيّ، ولا ميّت.
لم يتكلّم، فقط أشار بالدخول.
دخلنا غرفة تُشبه أحشاء جبل:
رائحة عُشبٍ مجفف وكافور، وكتب كثيرة على الجدران،
ومصباح زيتٍ يتراقص ظلّه.
جلس غازي، بدا وكأنّه لا ينتمي لهذا العصر.
بذلةٌ سوداء مهيبة، عينان عجيبتان، ليستا كعيني البشر!!
كأنّهما تُطلّان على قرونٍ مضت.
نظر إلينا وقال:
"من فتح الباب لا يعود كما كان. أنتما الآن في العَتَبة."
في الحكايات القديمة، هناك رجل يظهر عند انطفاءِ آخرِ مصباح… يسمّونه: العابر.
ظهوره يسبق التحوّلات الكبرى.
وهو تجلٍّ لاسمٍ قديم:
لا يُستدعى إلا حين يموت العدل، وتهتزّ حدودُ العالم.
قيل:
"لا يأتي لينقذ، بل ليُظهر العفن.
حين يُخنق الضعفاء باسم النظام، يُبعث كمرآةٍ ترى فيها البشرية قبحها كاملاً."
قال غازي:
"الناس تهاب الظلال… لكنها لا تعرف أن الظلال هي التي تحفظ العالم من السقوط."
سألته:
"وما هي الظلال؟"
قال:
"الظلال هي آثار ما لم يكتمل،
هي الرسائل التي لم تُقرأ،
وهي أنت… حين تنسى من أنت."
ثم نهض أبي فجأة، كمن استعاد شيئًا يهرب منه.
نظر إلى غازي نظرة امتنانٍ وخوف، ثم همس لي:
"الزيارة انتهت.... أغمض عينيك."
أغمضتُ عيني،
وحين فتحتُهما ثانية،
وجدتُني في فراشي، والنافذة مغلقة، وثيابي جافّة.
لكن الطين في قدمي، ورائحة الكافور في أنفي.
هل ذهبتُ فعلًا؟
هل كان أبي معي؟
أم كان الحلم هو الباب… وأنا من فتحه؟
---
مرّت سنوات.
مات أبي دون أن يذكر شيئًا عن تلك الليلة…
لكن أمي ظلّت تتحدث عنه كمن ينتظر رجوعه من منفى غامض.
كانت تقول:
"كان شايف أكتر من اللازم… وأنا شُفت ده بيقتله كل يوم."
لكن حين أنجبتُ ولدي، لاحظتُ أنّه ينظر إلى الظلال كما لو أنها تُحدّثه.
يسألني:
"هو فين المكان اللي الناس بتمشي فيه من غير ما تسيب أثر؟"
كنتُ أظنه يتخيّل، حتى بدأ يرسم أبوابًا مغلقة، ووجوهًا بلا أعين، وسلالم لا تقود إلى مكان.
وذات ليلة، قال:
"في راجل بيزورني وأنا نايم… عيونه مش زي عيوننا.
بيقول إننا قرّبنا نوصل للعتمة… وإنه مش جاي ليا لوحدي."
وفي الليلة التالية، وجدته يحدّق في زاويةٍ مظلمة، يتمتم بكلماتٍ غريبة، ثم ينام.
وذات مرة، سألني وهو شبه نائم:
"ليه الناس لما تسمع صوته بتبكي؟
وليه بيقول إن اللي جاي مش نور… ده نار؟"
ثم همس، كمن ينقل نبوءةً لا تخصّه:
"بيقول إن العالم تعِب… وإنه جاي علشان يكشف مين اللي خلع روحه وباعها."
---
لم أعد واثقًا إن كان غازي قد عاد فعلًا،
أم أنّه لم يرحل أبدًا!!
في الليالي المُقمرة، حين يسكن البيت وتنام الأصوات،
أفتح دفترَ ابني، فأجد وجهه مرسومًا على هيئة ظل…
كأنّ غازي
يراقب العالم من عَتَبة الهاوية،
ينتظر أن يُفتح الباب الأخير.
لكن الأبواب ليست دائمًا في الجدران…
أحيانًا تكون في الذاكرة.
وأحيانًا… في الحُلم الذي لا نستيقظ منه أبدًا.
لم يكن الأمر مجرّد كِبَرٍ في السن، أو مرضٍ خفي، بل حزنٌ كثيفٌ يسكن عينيه، كأنّهما تحملان كلَّ قبحِ العالم.
كان يجلس بالساعات، لا يتحرّك، يتأمّل الجدران كأنّها شقوقٌ في ضمير البشرية.
يرى الأخبار، فيُغلق التلفاز دون تعليق.
يرى الناسَ في الشارع، فيشيح بوجهه، كأنّه لا يطيق النظر إلى زيفهم، كأنّه يرى وجوهًا بلا أرواح، وأجسادًا تتحرّك على كراهيةٍ مزروعةٍ منذ أجيال.
لم يكن أبانا الذي نعرفه.
كنّا نراقبه في حذر. أصحابه تراجعوا واحدًا تلو الآخر.
وصار الجيران يسألوننا بصوتٍ خفيض:
"ماذا حدث له؟!"
وأمّي… كانت أكثرَنا رفضًا لما يحدث. كانت تراقبه بعينِ امرأةٍ رأت العالم يُسرق من يدِ رجلِها قطعةً قطعة، وظلّت تقاتل وحدها كي لا يُسحب من بيننا.
تتحرّك في البيت بعصبية، تصفع الهواء بكلماتها:
"إنت بتضيّع نفسك بإيدك!"
"هوّ انت أول واحد يشوف قرف في الدنيا؟!"
لكن ما حطّمه لم يكن فقط ما جرى له في عمله، حين فضح فسادًا إداريًّا كبيرًا، وظنّ أن الحقيقة ستنتصر… فحُوكِم هو، ونُقل تعسفيًّا، ونُسيت كرامته في أرشيفٍ متهالك.
رجع إلى البيت منهارًا، وقال:
"أنا وقفت عريان في وشّ الغول... والغول ما وقعش، أنا اللي اتكسرت."
لكن ما انكسر فيه، كان أعمق من الظلم.
بدأ يرى العالم كخريطة خراب:
حروبٌ لا تنتهي، أطفالٌ يُقتلون بقنابل ذكية، دولٌ تصنع الموت وتُدين من يستخدمه.
قال:
"العالم اتقلب شركة... البشر بقَوا منتجات، والموت بقى عرض خاص."
وأضاف:
"المؤامرة مش خرافة… المؤامرة نظام تشغيل."
طَفِق يقرأ كتبًا عتيقة من سوقٍ خفيّ، وجعل يكتب رموزًا غامضة، ويحرقها فوق طبقٍ نحاسي.
رأته أمي يحرق ورقة، فصرخت:
"إنت مش مطلوب منك تحلّ كل مشاكل العالم!!"
لكنه قال بهدوءٍ غريب:
"أنا شايف… واللي بيشوف ما بيرجعش."
قالت باكية:
"ما كلنا شايفين!"
ردّ:
"لا… أنتم بتتفرجوا. أنا شُفت."
كانت تقف على باب الغرفة، ترتجف، تمسك طرف شالها كأنّها تتشبّث بحياتها القديمة، وبالرجل الذي أحبّته.
قالت لي ذات ليلة:
"أبوك بيتغيّر... بس أنا كمان بتكسّر، وما حدش شايفني."
كان يحدّق في الظلال كما لو أنّها تهمس له.
وذات مرة قال:
"فيه باب جوّا كل واحد فينا… الكارثة لما يتفتح فجأة."
وذات مساء، وقف أمامي طويلًا، كأنّه يقيس ملامحي بروحه لا بعينيه، ثم قال:
"سأُريك شيئًا… ولكن لا تُكذّب ما ستراه، ولا تُصدّقه تمامًا."
ولم أعرف: هل سيأخذني إلى مكانٍ حقيقي، أم إلى حلمٍ لا يخصّني وحدي؟
كان الجوّ عاصفًا، والمطر يهطل بغزارة.
لكن المطر كان يُصدر صوتًا غريبًا، أقرب إلى بكاء نساء، أو أنينٍ قادم من طبقاتٍ بعيدة من الأرض.
في عربةٍ قديمة، تسير في طُرُقٍ بلا معالم، كان أبي جواري،
يقود السيارة وهو صامت.
الطرقات تمتدّ كأنّنا نعبر فراغًا بين مدينتين لم تُبنيا بعد.
انطفأت أنوار الشوارع، ودخلنا زقاقًا ضيقًا...
كانت ثمة أبواب كثيرة مغلقة، ووجوهٌ بلا أعين، وسلالم لا تقود إلى مكان.
شيءٌ ما كان خاطئًا!!
المطر لا يُبلّل العربة، والأرض لا تترك أثرًا!!
أوقف أبي السيارة، طرق بابًا متهالكًا، كأنّه ينتظر حضورَنا منذ قرون.
فُتح الباب، وكان وراءه رجلٌ بلحيةٍ طويلة، ووجهٌ لا هو حيّ، ولا ميّت.
لم يتكلّم، فقط أشار بالدخول.
دخلنا غرفة تُشبه أحشاء جبل:
رائحة عُشبٍ مجفف وكافور، وكتب كثيرة على الجدران،
ومصباح زيتٍ يتراقص ظلّه.
جلس غازي، بدا وكأنّه لا ينتمي لهذا العصر.
بذلةٌ سوداء مهيبة، عينان عجيبتان، ليستا كعيني البشر!!
كأنّهما تُطلّان على قرونٍ مضت.
نظر إلينا وقال:
"من فتح الباب لا يعود كما كان. أنتما الآن في العَتَبة."
في الحكايات القديمة، هناك رجل يظهر عند انطفاءِ آخرِ مصباح… يسمّونه: العابر.
ظهوره يسبق التحوّلات الكبرى.
وهو تجلٍّ لاسمٍ قديم:
لا يُستدعى إلا حين يموت العدل، وتهتزّ حدودُ العالم.
قيل:
"لا يأتي لينقذ، بل ليُظهر العفن.
حين يُخنق الضعفاء باسم النظام، يُبعث كمرآةٍ ترى فيها البشرية قبحها كاملاً."
قال غازي:
"الناس تهاب الظلال… لكنها لا تعرف أن الظلال هي التي تحفظ العالم من السقوط."
سألته:
"وما هي الظلال؟"
قال:
"الظلال هي آثار ما لم يكتمل،
هي الرسائل التي لم تُقرأ،
وهي أنت… حين تنسى من أنت."
ثم نهض أبي فجأة، كمن استعاد شيئًا يهرب منه.
نظر إلى غازي نظرة امتنانٍ وخوف، ثم همس لي:
"الزيارة انتهت.... أغمض عينيك."
أغمضتُ عيني،
وحين فتحتُهما ثانية،
وجدتُني في فراشي، والنافذة مغلقة، وثيابي جافّة.
لكن الطين في قدمي، ورائحة الكافور في أنفي.
هل ذهبتُ فعلًا؟
هل كان أبي معي؟
أم كان الحلم هو الباب… وأنا من فتحه؟
---
مرّت سنوات.
مات أبي دون أن يذكر شيئًا عن تلك الليلة…
لكن أمي ظلّت تتحدث عنه كمن ينتظر رجوعه من منفى غامض.
كانت تقول:
"كان شايف أكتر من اللازم… وأنا شُفت ده بيقتله كل يوم."
لكن حين أنجبتُ ولدي، لاحظتُ أنّه ينظر إلى الظلال كما لو أنها تُحدّثه.
يسألني:
"هو فين المكان اللي الناس بتمشي فيه من غير ما تسيب أثر؟"
كنتُ أظنه يتخيّل، حتى بدأ يرسم أبوابًا مغلقة، ووجوهًا بلا أعين، وسلالم لا تقود إلى مكان.
وذات ليلة، قال:
"في راجل بيزورني وأنا نايم… عيونه مش زي عيوننا.
بيقول إننا قرّبنا نوصل للعتمة… وإنه مش جاي ليا لوحدي."
وفي الليلة التالية، وجدته يحدّق في زاويةٍ مظلمة، يتمتم بكلماتٍ غريبة، ثم ينام.
وذات مرة، سألني وهو شبه نائم:
"ليه الناس لما تسمع صوته بتبكي؟
وليه بيقول إن اللي جاي مش نور… ده نار؟"
ثم همس، كمن ينقل نبوءةً لا تخصّه:
"بيقول إن العالم تعِب… وإنه جاي علشان يكشف مين اللي خلع روحه وباعها."
---
لم أعد واثقًا إن كان غازي قد عاد فعلًا،
أم أنّه لم يرحل أبدًا!!
في الليالي المُقمرة، حين يسكن البيت وتنام الأصوات،
أفتح دفترَ ابني، فأجد وجهه مرسومًا على هيئة ظل…
كأنّ غازي
يراقب العالم من عَتَبة الهاوية،
ينتظر أن يُفتح الباب الأخير.
لكن الأبواب ليست دائمًا في الجدران…
أحيانًا تكون في الذاكرة.
وأحيانًا… في الحُلم الذي لا نستيقظ منه أبدًا.