شريف محيي الدين إبراهيم - وريث تحتمس

قبل أن تبدأ الحكاية :
لم يكن الكوكب الأزرق كوكبًا، بل غمضة من عوالم لا تُقاس بالعيون.
لم يهبط من السماء، بل صعد من نداءٍ قديم، حين احتاج النور إلى ممرّ، والسرّ إلى جسد.
بعض العروش تُعبر ولا تُملك، وبعض الأبواب تفتح مرة واحدة، ثم تختفي كأنها لم تكن.
الذي مشى عليه لم يكن ملكًا، بل أثرًا، وظله ليس له، بل لوعدٍ لا يعرف الشكل.
وحين يولد النور، تتلاشى البوابة.
كأن الكون يُتمّ طقسه، ثم يصمت.

***

"تمّ رصد شفرتك الجينية... أنت الأخير."
هكذا وصلتني تلك الرسالة الغامضة على هاتفي.
في صباحٍ مكتظّ من صباحات القاهرة، كنت عند سفح الهرم، أشرح لمجموعة من السيّاح الأجانب أسرار الأهرام الثلاثة.
كنت أتكلم كمرشدٍ شغوف، ألوّن التاريخ بكلماتي، وأراقب انبهارهم.
عندما قرأت الرسالة، ضحكت. ظننتها مزحة من صديق.
لكن…
في منتصف الليل، أيقظني ضوءٌ غريب. ثم سمعت اهتزازًا عميقًا، كأن قلب الأرض ينبض تحتي.
صعدتُ إلى سطح عمارتنا القديمة، لا أدري لماذا، كأن شيئًا في دمي يعرف الطريق.
السماء كانت صافية أكثر مما ينبغي، كأنها تنتظر شيئًا خارقًا.
ثم هبطت سفينة فضائية عجيبة، في صمتٍ يشبه صمت المقابر قبل البعث.
خرجت منها امرأة باهرة الحسن، كأنها منسوجة من ضوء. ترتدي عباءة ذهبية طويلة، تنسدل من كتفيها كموجٍ البحر.
قالت: — "أنا ملكة الكوكب الأزرق. أتيتُ لأتمّ النبوءة… ولا تكتمل إلا بزواجنا."

كدتُ أفقد وعيي من الصدمة. رأسي يدور… عينيّ لا تصدّقان ما تريان. قلبي ارتطم بالسماء وسقط.
هل هذه مزحة كونية؟ هل أنا نائم؟ أم أنني مجرّد دمية في حلم ؟

قلتُ متلعثمًا، وقلبي يركض قبل لساني: — "أنا… متزوج."
قالت، وصوتها يجمع بين الرقة والقدر: — "إن رفضت… تهلك الأرض."

في الصباح، كنت جالسًا أمام زوجتي على مائدة الفطور.
قالت بهدوءٍ يُشبه حافة العاصفة: — "ما الأمر؟"
همستُ: — "إذا لم أغادر… سيقتلونك."
قالت: — "حسبت أن لا شيء بإمكانه أن يفرّق بيننا… إلا الموت."
ثم همست، في أسى وهي تمسح دموعها : — "كنتُ أظنك تحبني."

كلماتها لم تكن كلمات… كانت خناجر.
أردتُ أن أصرخ: أحبكِ أكثر من الأرض، أكثر من السماء…
لكن فمي كان مليئًا بالرماد.
لم أستطع أن أقول شيئًا. فقط نظرت إليها… كأنني أودّع الحياة.
***
"في معبد السُّدُم بالكوكب الأزرق، التفّت علينا الهالة… لم تكن ليلة زفاف عادية … كنت بوابةً تُفتح. وضعت الكاهنة يدي في يدها، وقالت:
— 'من هذا الاتحاد يُولد النور.'

قالت الكاهنة الكبرى: — "زوجتك سترى داخلك كلّ ليلة، وإن كذبت… ستحترق."
جلستُ في محراب الضوء، وحولي كائنات لا أعرف أسماءها. لكن داخلي… كان يسأل سؤالًا بسيطًا:
هل ستفهم زوجتي؟ هل ستغفر؟ وإن عدتُ… هل ستنتظرني؟

كلّ ليلة… تُضاء أعماقي لعينيها. وإن كذبت… احترقت.
وفي الليلة السابعة، ولدت الملكة طفلًا… لا كالأطفال. كان النور يتسرّب من عينيه، كأن روحه تعرف ما ينتظره.
قالت وهي تحمله: — "هو وريثك… والنبوءة الثانية. فيه يكتمل السرّ."

نظرت إليه، فلم أر طفلاً… بل سؤالًا.؟!
لكنها ما لبثت أن اختفت في ضوءٍ سماويّ، وهمسها يطفو: — "أنا لست لك… بل لحراسة التوازن بين العوالم.
سرك مدفون أمام أبي الهول.
هناك، أصل كل شيء."
ثم مرّ أمام عينيّ، لا كشريطٍ، بل كعاصفةٍ من رؤى…
كأنّ الزمان انفجر داخلي،
وأراني: كلّي، وكلّ من سبقني، وكلّ من سيأتي.
رأيت آدم، يهبط من النور، لا خائفًا، بل كمن يعرف أنه يحمل بذرة الأسى والمعرفة معًا.
عيناه تشبهان فجراً لم يكتمل، وراحته تضمّ كلّ حبٍّ وكلّ خطيئة ستنبت على الأرض.
وقابيل، أول المرتجفين من الحسد، يرفع يده، فتشهق الخليقة، وتُسفك أول قطرة دم، فبكت الأرض، وبكى الحجر.
ونوح، ينادي ابنه عند سفح الطوفان: "يا بُنيّ، اركب معنا"، لكنّ الصوت تكسّر على صخرة الكبرياء، وغرق الولد… لا في الماء، بل في الغياب.
وامرأته لم تخنه بجسد، بل خانت السفينة، خانته حين اختارت اليابسة الكاذبة على الرحمة الطافية.
ولوط، يفرّ من نار الشهوة، يمسك يد امرأته، فتلتفت، وفي الالتفات يتحجّر الحنين، ويُصبح جسدها درسًا في الندم.
آسية، زهرة في قصر الوحش، آمنت بالنور وسط الحديد والذهب، رفعت عينيها وقالت: "ربِّ ابنِ لي عندك بيتًا في الجنة"، فاهتزّ عرش فرعون، ولم تهتزّ.
إبراهيم، يُلقى في نارٍ عظيمة، لكنّ النيران تسجد لنقائه، فتتحول إلى نسيمٍ هادئٍ من جنان الخلد.
ثم يُختبر في ابنه، ويكاد السكين يلامس جلد إسماعيل، لكن الرحمة تهبط في صورة كبش… وتغدو الطاعة شجرة تفدى بالحبّ.
موسى، يقف على شاطئ المستحيل، يلقي عصاه، فتخرج الأفعى لا لتُخيف، بل لتبتلع زيف السلطة، ويشقّ البحر كأنّه يشق القلب.
يمشي على الرمل الذي بللته السماء، كأنّه يفتح بابًا إلى المعجزة.
ويشقّ البحر كأنّه يشق القلب.
يمشي على الرمل الذي بللته السماء، كأنّه يفتح بابًا إلى المعجزة.

والمسيح…
يقوم من الموت كما يقوم الضوء من العتمة،
يمشي على جراحه، ويبتسم…
لأن المحبة لا تُقتل،
ولأن الجلجلة لا تنتهي بالصليب بل بالقيامة.

ويهوذا، يُقبّل الحقيقة ليبيعها،
فتلعنه القبلة،
ويصرخ التين اليابس.

بروتس، يطعن قيصر من أقرب نقطة للقلب،
فيبكي الحبّ من نزف الخيانة.

ومحمّد، يشير بإصبعه إلى القمر،
فينشقّ…
والليل يرتجف من دهشته،
وأهل مكة فاغرو الأفواه،
كأنّ الوجوه نُحتت من ذهول.

بوذا، يصغي لصمت الشجرة…
ويبتسم، كأنّه سمع الله وهو يهمس في أوراقها.

ثم رأيت إدريس،
واقفًا في وهج الحكمة،
يخيط الثوب من خيوط الضوء،
ويعلّم الناس كيف يُكتَب الحرف،
كيف تُحاك الكتب من وهمٍ وسرّ،
كيف تُصاغ النجوم في اللغة.
كان يبني، لا بالجدران، بل بالحروف.
وكان يرسم المعنى في الهواء كمن يُدوّن آياتٍ على الزمن.

ثم رأيت الأهرام…
ليست قبورًا، بل بوابات،
مقامات للروح،
آلاتٌ تتناغم مع النجوم،
مراصد لزمنٍ آخر، ينتظر أن يُفكّ.

وأبو الهول…
سؤالٌ منحوتٌ في صخرٍ لا ينهار،
نصفه حيوان، نصفه إنسان،
وكلّه لغز، يحرس سرًّا لا يُنطق.

وشعرت بشيء يراقبنا من وراء المدى…
كائنات ليست من طيننا،
حضاراتٌ زارتنا،
لم تترك سفنًا، بل رموزًا،
تحدثت مع إدريس،
وساعدت في رفع الأحجار الأولى،
ثم انسحبت إلى صمت النجوم،
تنتظر من يعثر على الرسالة.

ثم كانت مدينة بيت المقدس،
المدينة التي تمشي على الحافة بين الوعد والنار،
مسرى، ومذبح، وميدان حربٍ
رأيت أنبياء يمشون فيها، حفاةً،
يُصلّون على ترابها،
ثم يُرمون بالحجارة.

رأيت كنيسة القيامة،
وفيها ظلّ المصلوب،
ينظر من نافذة القيامة نحو الغفران،
كلّ شمعة فيها ليست ضوءًا… بل دمعة.

رأيت المآذن والأجراس تتعانق في الظاهر،
لكنّ الدمّ يسيل بينهما.
كلّ أمة مرّت، قالت: "هذا لنا"،
لكن القدس لا تُملك…
ولا تُفتح إلا بالنور.

ثم رأيت من حُمّلوا الوعد… فخانوه.
من وُهِبوا النور في ألواحٍ مقدّسة،
فكسروا الألواح،
وكتبوا فوقها أهواءهم.
كانوا يعرفون طريق الربّ،
لكنهم غيّروه إلى دربٍ مفخّخٍ بالحساب والدم.
باعوا النبوءة كما تُباع الأرض في سوق المزاد،
ورفعوا اسم الإله على حرابهم،
وغزوا به المدن والقلوب.
سرقوا المفاتيح، ثم أنكروها،
وقالوا: "نحن وحدنا الباب."
فأغلقت السماوات وجهها،
واهتزّت الأرض،
وصار الموضع المقدّس ميدانًا للرماد.

تاجروا بالمصير،
واشتروا النار بثمن الروح،
ورسموا خرائط القيامة بأيديهم،
كأنهم يصوغون نهاية العالم من حجرٍ وطمع.
ورأيت الملائكة تدمع،
والنور يختبئ في الصدور الطاهرة،
والزمن يتأرجح على هاوية،
كأن العالم صار ينتظر شرارةً واحدة…
لتسقط الصفحة الأخيرة.

ثم كان الطواف…
سبعة أشواط حول مركز الوجود،
سبعة أيام تُعيد تشكيل الزمن،
سبع سماوات، سبعة كواكب، سبع مفاتيح،
تفتح أبواب الروح،
كأنّ الكون يُرتّل.

الإسكندر، يرسم حدوده على خرائط الحلم.
رمسيس، يُنصّب جسده تمثالًا للخلود.
تحتمس…
نظرتُ في عينيه، فرأيت نفسي،
ملامحه وجهي…
أنا امتداد نبوءته،
وهو أول وجهي العتيق.

كليوباترا، تغني لليل الذي لا يُنسى.
نفرتيتي، تنحت وجه الإله في العظام.
سقراط، يشرب السمّ مبتسمًا،
لأنه يعلم أن الفكرة لا تموت.
أفلاطون، يرسم المدينة الفاضلة على غبار العالم.
شكسبير، يُلحن الحزن شعرًا في مسرح الخلود.
أينشتاين، يرى الزمن يرقص في المعادلات.
زويل، يوقف اللحظة ليسمع همس الحياة فيها.

ثم حروب:
المغول، الصليبيون،
الانفجار النووي،
الحربان العالميتان،
حرب الكواكب القادمة…
وكنتُ هناك…
في كل لحظة من ذلك النهر،
كنتُ المارّ، الحامل، الشاهد، والواصل.
الحارس،
الذي أُعطي الشعلة،
كي يسلّمها لمن سيأتي.
فهمت أخيرًا:
النبوءة ليست عني،
بل عن الطريق…
الذي لا ينتهي.
والنور…
ليس ميراثًا،
بل وعدٌ،
يتوهّج.

عُدت إلى الأرض لا بسفينة… بل بدفقة نور.
جسدي تناثر ذرات، ثم اجتمع في الفجر عند المتحف المصري. دخلت… الباب فُتح دون صوت. كأن المتحف يتذكرني. مضيت بين التمائم والتوابيت والمومياوات… ثم وجدت الجدار الحجري. وضعت كفّي عليه… فأضاء:
"سيعود حين تُهدَّد الأرض، بوجه لا يعرفه أحد… لكنه يعرف الجميع."
انشق الجدار، ودخلت.
كان هناك تمثال لتحتمس … بوجهي.!!
ثم ارتجّ كل شيء.
رأيت الرؤية: أرضٌ مشتعلة. أبو الهول يدمع دمًا. الناس يهربون من شاشاتهم. السماء مغطاة بصواريخ مدارية. وطفلي… يقف فوق الهرم، يرفع يديه… فتتراجع النار.

نزلتُ إلى النفق. في قلب الأرض، وجدت المصفوفة: خريطة ضوئية لا تُضاء إلا بالدم.
نزفت… فأضاءت. مصر مركز الوجود.
الهرم مفتاح التوازن. كُتب على الحجر: "إذا اختلّ ميزان الأرض، افتح بوابة النار. لكن لا تفتحها إلا لمن يملك الرحمة."

ظهر وجه تحتمس بوجهه الذي يشبهني.
قال: — "إن استخدمت المفتاح… سيفنى ابنك."
قلت: — "لماذا؟"
قال: — "لأن النور إذا احتُكر… صار ظلامًا."
ثم دوّى صوت أبي الهول: "السر لا يُحمل… بل يُسلَّم."
ورأيت ابني، واقفًا على العتبة. قال دون أن يُحرّك فمه: — "دعها لي، أبي."
سقطت قطرة دم… فتلاشت الخريطة، واستقر النور في عينيه
انفتح السقف… وصعدت نسمة دافئة من قلب الأرض.

طرقتُ باب زوجتي
فتحت. كانت كما تركتها… ساكنة، دامعة.
نظرت إليّ… إلى الطفل بين ذراعيّ… ثم همست:
— "أهذا حلم؟"
قلت، وصوتي يختلط بأنفاسي: — "عدت… وهذا ابننا.
ابن الأرض والنجوم."
رفعت يديها إليه… فابتسم الطفل.
قالت: — "عينيه… تشبهانك… وتشبهان شيئًا لا أعرفه."
قلت: — "هو النبوءة الجديدة… لا ذهب فيها، ولا ظل… فقط: إنسان."
وعندما ضمّته إلى صدرها، وماء دموعها يبلّل جبينه، رفعتُ بصري إلى السماء. لم أرَ الكوكب الأزرق.
لا نقطة ضوء، لا أثر… كأنه لم يكن.
، انطفأ ببطء، كمن أنهى مهمته. فهمت دون أن يُقال لي: لم أكن ملكا ، بل كنتُ الممرّ.
هي لم تكن زوجتي… بل بوابة. وأنا… كنتُ مجرد صدى لنداءٍ قديم، احتاج جسدًا ليولد فيه النور. والملك الحقيقي… بين ذراعيها الآن.

رفعت بصري إلى السماء.
الغيوم ما زالت سوداء…
لكنني ابتسمت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...