إياد شماسنة - في الركنِ الأعلى من مقهى الحياة...

في الركنِ الأعلى
من مقهى الحياة،
جلس الذبابُ يُرتّبُ الصفوف
لصلاةِ العصر.
كان الهواءُ يُصغي،
والنادلُ الحانقُ يُخفي الملاعقَ
كأنها أسرارُ دولةٍ فاشلة.
قال الذبابُ،
وهو يمسح جناحيه كصعلوك
يُقلبُ كتابَ البخاري:
“كفى أيّها الإنسانُ،
نحنُ لم نأتِ لنُفسِد،
بل لنُذَكّر بأنَّ النور لا يُرى
إلّا حين تقتحمُه الحشرات.”
في الزاوية الأخرى،
فتاةٌ تكتبُ قصيدةً عن الحبِّ،
لكنَّ الذبابَ
هبطَ على السطرِ الثالث،
فانتهى النصُّ ببلاغٍ رسميٍّ
من وزارة العزلة.
في المساءِ،
صعد الذبابُ إلى المئذنة.
نزعَ الحروفَ من فمِ المؤذن،
وأعلن الأذانَ بصوتٍ مجروح:
“حيّ على النومِ،
حيّ على السكرِ،
حيّ على ما لا يُقال.”
رجلٌ بعينٍ واحدةٍ
سأل الإمامَ الطيّار:
“كيفَ تفسّر أنينَ البلاد؟”
أجابهُ الذبابُ:
“كلُّ ما فوقَ الترابِ،
إمّا جنازةٌ تمشي على قدمين،
أو قصيدةٌ تبحثُ عن محرقة.”
وفي خطبةِ الجمعة،
قرأ الذبابُ من منبرِ الخشبِ المحروق:
“أيّها الناسُ،
لا تنسوا أن تنكّسوا رؤوسكم
قبل أن تنكّسوا راياتكم،
فإنّ اللهَ لا يحبُّ المرتفعين بلا جدوى،
ولا الراكعينَ تحت وزنِ الأكاذيب.”
وفي غفلة
داس الذبابَ طفل ٌ
يلهو على رصيف العمر
فمات
وبينما الغبارُ يُصفّق،
والجرائدُ تمحو صورَ الزعيم،
كانت الأرضُ
تخيطُ جناحينِ جديدين
لإمامٍ آخر…
من فصيلةٍ أكثرَ جرأة.

اياد شماسنة اشراقات

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...