عباس حسين - بائع الشِعر...

مِن الفجر
أراهم يتجمعون حول دكاني، بالكاد يفسحونَ لي المجال كي أمرَّ
وقبل أن أرشَّ باب الدكان
يدخلُ مشترو القصائد ويفحصون البضاعة بتمعن
وأحياناً يشمّونها
كأنهم النساء في أسواق البالة
ورغم شدة اندهاشم بالبضاعة ولمعانها، يتركونني دون أنْ يشتروا شيئا
يتحججون بأنها لم تعجبهم
أو أنَّ سعرها غالٍ
أو يأخذونَ جولة حول الدكاكين الأخرى، لعلهم يجدوا ما يناسبهم
مع أن لا دكان في المنطقة لبيع الشعر سوى دكاني.
حين أعودُ إلى البيت
يكسرونَ قفلَ الباب ويسرقونَ بطريقتهم الخاصة
كل ما عجبهم ولم يجيدوا شراءه أول الأمر
ويُطلب مني فيما بعد أنْ أعطي رأيي بنصوص مسروقة من دكاني
لماذا تسرقونني
أنا بائعّ وينبغي أنْ تشتروا مني
الذين يلتقطون ما يسقط من القصائد في الطريق عندما أجلبها إلى الدكان، أفضل منكم.
أنا بائعُ الشِعر
أحملُ الحزنَ معي أينما أذهب
مثل نخلةٍ تحملُ راكوبها
تغادرني الذكريات وتنساني فأصير يابساً
وعندما تعود
أنقعُ بدموعي
فأبدو ليناً ويسهلُ أكلي
مثل الخبزِ اليابس الذي كانوا ينقعونهُ أيام الحصار.
البارحة سرقتم مني نصاً
كتبتهُ لصديق
كان إذا أيقظوهُ قبل موعدِ صحوتهِ
يأخذُ غطاه ويهربُ إلى زاوية بعيدة من زوايا البيت
ويكملُ نومته
هل تعرفون ماذا سيفعلُ اذا جاءت القيامة؟
فلا غطاء يظلُّ
ولا زوايا في القبر تصلحُ للهروب نحوها.
في الوقت الذي تتوسلون بالذكاء الاصطناعي
أعلنُ عن قصائدي بمكبرة صوت
وجدتها في مسجدٍ مهجورٍ للصبر
في المنطقة نفسها التي يوجد فيها دكاني
لطالما أُعلِنَ بها عن أسماء موتى ومقتولين
في تلك الظهاري التي كان العوائل يسكتون ضجيج أطفالهم
كي يسمعوا الصوت جيداً، ويطمئنوا بأن ما يذاع ليس أحداً من أبنائهم
آنذاك، كان الكل يخضع لخرخشة المئذنة.
أنا عباس حسين بائع الشِعر
أفكرُ بغلق دكاني وترك هذه المهنة إلى الأبد
لأن الحراس الليليين
الذين وثقتُ بهم وأتمنتهم على بضاعتي
اشتبه عليهم الأمر
تركوكم تفرون أنتم الحرامية
ووضعوا صفاراتهم في افواههم
ورفعوا بندقياتهم عالياً
وركضوا خلفي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...