فوز حمزة - حقيبتي السوداء...

وأخيرًا، جاءت الموافقة التي كنت أنتظرها.
رفعتُ ذراعي للأعلى كإشارة للنصر قبل أن انتقل بإصبعي إلى حقل الرسائل الخاص به، بعثتُ للصديق الافتراضي الجديد لوحة ورد مكتوب عليها شكرًا لقبول طلبي. أعدتُ قراءة بيانات ذلك الصديق لعلي أجد شيئًا جديدًا غير كونه أرمل ويملك محلًا لبيع الملابس النسائية، وجدت صورة له وفي معصمه ساعة من ماركات غالية.
حين قرأتُ اعتذاره لتأخره في قبول الطلب، عرفتُ أن النصر سيكون حليفي، متعللًا أن سفره خارج البلاد لمهمة هو السبب.
أحب الرجل الثرثار، فهذا النوع يزودني بما أريد معرفته دون بذل أي مجهود.
أجبته: لا عليك أستاذ، المهم أننا الآن أصدقاء.
أعرف أن مفعول هاتين الكلمتين بمثابة المفتاح للعالم الذي أبغي الدخول فيه. كنت محقة حين رد بأسطر يبين فيها بشعوره الذي لا يخطئ، فقلبه وإحساسه لا يخدعانه أبدًا، وأنني جميلة إلى الحد الذي دعاه للنظر طويلًا في صورتي التي أظهر فيها كسيدة راقية. الانبهار الذي بينته لحديثه الذي لم يمر على أذني من قبل، كان كافيًا لتمهيد الطريق أمامي كي أصل لغايتي.
كلمات الوداع مع الاعتذار منه، وغلق الماسنجر في هذه اللحظة، هي الخطة الثانية التي ستوسع الأفق أمامي، خبرتي الطويلة مع الرجال، أكدتْ لي أنهم يفضلون المرأة التي تشغل بالهم، وتسبب لهم الحيرة والصداع، ما حصل قبل قليل يعد بداية مشجعة.
في صباح اليوم الثاني، لوحة المرأة التي تجلس وحيدة على ساحل البحر وقت الغروب التي أرسلتها له، مفعولها كان يشبه السحر، نجحتْ في إثارة فضوله حينما قال:
ـ يبدو أنك تعانين الوحدة !
حديثه رفع من معدل الإيجابية التي رفعت معها معنوياتي فأجبته بسرعة:
ـ إنها وحش كاسر لا يتركك إلّا وأنت طائر منكسر الجناح.
كنت أعرف أن كلماتي الأخيرة التي نقلتها من كراستي الخاصة التي أدون فيها كل ما أجده من كلمات جميلة أقرأها من هنا وهناك لاستخدامها للضرورة، كنت أعرف أنها ستثير إعجابه وتدفعه ليسألني عن حياتي، فسألني، لكن هذه المرة بطريقة ذكية حينما قال:
ـ زوجك وأولادك، أليسوا معك؟.
ـ إنها قصة طويلة، والكتابة تتعبني.
كنت متأكدة أن طلب الاتصال الصوتي سيأتيني فورًا إذ لطالما نجحت هذه الحيلة من قبل، فكتب:
ـ ما رأيك في التحدث صوتيًا إن لم يسبب لك ذلك إحراجًا؟
ـ على العكس تمامًا!.
وضعت سماعة الأذن وعدلت من جلستي قبل الضغط على أيقونة الاتصال.
مرت أسابيع منذ الاتصال الأول الذي سردت فيه كل ما مر في حياتي منذ أن كنت طفلة في المدرسة لغاية انفصالي عن زوج حرمني نعمة الأمومة ليتركني وحيدة بعد أن فارق والداي الحياة. أبدى تعاطفه معي من خلال الاطمئنان عني يوميًا بعد تأكيدي أن وجوده ملأ حياتي بدل الوحدة التي كانت تنهش في عظامي ، البكاء وأنا أسرد تلك الأكاذيب كان من الهوايات التي أتقنها، فأشعر بعد ذرف الدموع كأن بركانًا داخلي هدأ واستكان.
مر الوقت سريعًا، كانت الأجواء خلاله هادئة وتوحي بالألفة. أمسى يعرف ماذا أضع في كل ركن من أركان بيتي، حفظ ما يحوي كل درج، بل رحت أبعد من ذلك حينما حرصت على أخذ رأيه في الفساتين التي أرغب بارتدائها حتى شعر كأنه يقاسمني الحياة في كل صغيرة وكبيرة. تيقن بأهميته عندي حينما زودته بتفاصيلي لأطلق العنان لمحاولاته ليبدو أمامي شخصًا مختلفًا عن باقي الرجال.
الأحاديث الساخنة بيننا و نحن على السرير لونت الليل، وجعلت للنهارات مذاقًا آخر.
وأنا اقرأ طرفًا من الرسائل التي كانت تظهر على شاشة الهاتف بعد يأسه من الاتصال الصوتي، تأكد لي قلقه على غيابي. العزف على وتر الغياب دون قطعه هو الشيء الذي كنت أحسن اللعب عليه وبه.
مضى أسبوع لتنتهي معه معاناة عبد اللطيف في مراقبة حقل الرسائل الخاص بي حينما رأى الدائرة الخضراء مضاءة. اتصال مني بصوت يبدو عليه الوهن لأقول له:
ـ اعتذر عن الغياب بسبب وعكة صحية ألزمتني دخول المستشفى.
ـ أرجوكِ! إن فكرتِ في إنهاء حياتي، كرري هذا الفعل، يبدو أنك لا تعرفين من أنتِ بالنسبة لي؟
كان صوتي رقيقاً وأنا أحكي له معاناتي من سوء المعاملة التي تلقيتها في المستشفى الحكومي، أما ثمن الدواء الذي لا أستطيع شراءه لغلاء ثمنه جعلني أفقد الثقة بالناس، أنا الآن أمر بمرحلة أشعر بحاجتي للابتعاد والانزواء بنفسي. قاطعني طالبًا مني تصوير بياناتي وإرسالها عبر الماسنجر، ليرسل لي مبلغًا من المال، ثم طلب مني ترك القلق بشأن المال، لينهي المحادثة بأنه وماله فداء لي.
الجو مشمس والنهار يبدو رائعًا مع هديل الحمام الذي غطى على كل صوت آخر. وأنا أضع المال الذي استلمته من مكتب التحويلات في حقيبتي السوداء التي بدت واسعة لي حينها، شعرت بحاجتي للسيجارة والقهوة في هذه اللحظة، وأنا أبعد الدخان بعيدًا عن وجهي، وصلني إشعار بموافقة صديق جديد انتظره من زمن، فغدوت كأني أقف مسمرة فوق جسر لا نهاية له لبر ولا مركب تحته لنهر.
......

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...