سمية جمعة - بِلا موعِد...

في تلك الليلة، كنتُ أجلس في مقهى محايد، لا يطلّ على شيء سوى الفراغ. أمامي فنجان قهوة لم أرتشف منه سوى رشفة وحيدة، وكأنني أخشى أن أفسد حرارة لحظة انتظارٍ مجهولة. كان المكان شبه خالٍ، سوى من رجلٍ بدا عليه التيه، يدسّ يديه في جيوب معطفه المتآكل من صقيع السنوات، ويمشي كأنه يبحث عن ظلٍّ قديم.
اقترب وجلس دون دعوة، كأنّه يعلم أنني لم أكن أنتظر أحدًا. لم يسألني من أكون، ولم أشأ أن أسأله بدوري. بادرني بالكلام كما لو أن صوتي كان صامتًا يسبقه:
"تعرف؟ الأفكار مثل الطيور المهاجرة، بعضها يعود، وبعضها يضلّ الطريق ولا يعود أبداً."
لم أعلّق. واصل حديثه وهو يرمق فنجانه الفارغ:
"الوطن؟ هل تعرف كيف يبدو وطنٌ بلا قميص؟ كالأشجار العارية في منتصف الشتاء، ترتجف لكنّها لا تموت. أمي كانت بحجم عمرٍ كامل، لم تسرق منّي لحظة، لكنها رحلت قبل أن تسألني إن كنتُ جاهزًا لفقدها."
رأيت عيناه تتسعان للحكايات أكثر من قدرتهما على البكاء، وكأنّ الدمع غادرهما منذ زمنٍ بعيد. أسند رأسه إلى الكرسي الخشبي وابتسم بسخرية لا تخلو من الحنين.
"التجنّي... الإحصاء... التميّز... كلّها وجوهٌ لقضيةٍ واحدة: العدالة الغائبة. صديقتي كانت بحجم رفوفٍ متخمةٍ بالكتب، ولكنها اختفت بين الصفحات، ولم يكتب لها أن تكون هامشًا في ذاكرتي."
أشعل سيجارة، وسحب نفسًا عميقًا كأنّه يستنشق ذاكرته. ساد صمتٌ مربك، ثم فجأة، كأنّه تذكّر أنه لم ينتهِ بعد، فتح سترته المتهالكة وكشف عن جيبٍ داخليّ، أخرج منه ورقةً مطويّة بعناية. فردها على الطاولة كأنّه يعرض خريطة كنزٍ مفقود، لكنها لم تكن سوى قصيدة غير مكتملة.
"هذا كتابي، لكنّ كلماتي هربت من بين دفّتيه، كأنّها تخاف أن تُحتجز بين الغلافين. لا وجهة لي، تمامًا كما لا وجهة لهذا الليل الطويل."
ارتشف آخر ما تبقّى من قهوته الباردة، ثم بصق على الأرض بقايا حديثٍ لم يقله. نهض ببطء، تأمّلني كأنه يبحث عن شيء أخير ليقوله، لكنه اكتفى بإيماءةٍ خفيفة، ورحل... دون موعد.

سمية جمعة
سورية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...