د. محمد سعيد شحاتة - وداعًا حارسَ المواويل العتيقة...

(في وداع الصديق العزيز رفيق الدراسة والعمر والشاعر المحب المحبوب الدكتور محمد السيد إسماعيل)


يهبطُ الصقرُ في صفحةِ الشِّعرِ
يستلُّ من بين أنجمِهِ نجمةً
يحتفي بالفريسة بين مخالبِهِ
ويطيرُ
يقولُ الرُّواةُ: الملامحُ ذاهلةٌ
والتفاصيلُ مثقلةٌ باللظى
والعيونُ التي أتقنتْ سَبْرَ أعماقها لا تجيدُ التجوّلَ بين الرؤى
غائرٌ ذلك الجرحُ
نازفةٌ أضلعُ العارفين
وأنسجةُ القلبِ مسكونةٌ بالتشظي
ومسكونةٌ بالذهولِ قلوبُ الأحبَّةِ
ثائرةٌ ... حائرةْ
قطرةً
قطرةً
ينزف الوردُ عطرَ المحبَّةِ
يرتجلُ العاشقون طقوسَ الغيابِ
ويلتمسون بقايا خطاه على دَرَجِ الشمسِ قبل الأفول
مَنْ لتلك القلوبِ التي تشرئبُّ لعطرِ اللقاءِ
تعلِّق أعينها بذيول الرواحلِ
تُمْسِكُ آخرَ خيط تجلَّى
تقصُّ حكايا الرحيل
تعلِّق أعينها ببقايا القوافلِ
تنسجُ من دمعها المتحجِّرَ بين المآقي قصيدةَ عشْقٍ
لذاك الذي أتقن الحبَّ
حين يواري جراحَ الأسنّةِ بين الضلوع
يداعبُ من يتجرَّأ عن غفلةٍ:
آخر الوقت سوف تكون يدٌ ليَ بيضاءُ تجني ثمار المحبَّة
حين أقودُ الغيابَ مع القافلةْ
وحين تعودُ الرواحلُ من حيث جاءت
ونبقى ضيوفًا على الندواتِ
وذكرى النصوصِ على ألْسُنِ الباحثين
ونبقى حكايا المحبين حول المواقدِ في ليلةٍ مثقلةْ
فيروون عنَّا حكاياتنا
وخطانا التي حفظتها شوارعُ قاهرةِ العاشقين
هنا قد جلسنا
وهنا ألهبتنا سياطُ الحياةِ
وكم مزَّقتْ ظهرَنا حربةٌ قاتلةْ
*
للطيوفِ مواعيدُها
ولطيْفِ الأحبَّةِ بوحُ المسافرِ خلفَ التخوم
يهبطُ الليلُ في صفحةِ القلبِ
يتركُ صورةَ مَنْ عشقَتْهُ المواسمُ والأعينُ الدَّامعَةْ
قطرةً
قطرةً
ينزفُ القلبُ ذكرى الأحبةِ
والخيلُ تعزفُ عنْ حمحماتِ الصهيلِ
وعند الهزيعِ الأخيرِ من الليلِ يأتي خيالٌ يداعبُ قلبَ القصيدةِ
يرتجلُ الأمنياتِ التي أرهقَتْنا ونحن نُلَمْلِمُ كِسْرةَ خبْزٍ
بقيَّةَ حلمٍ يراودُ أعيُنَنا
ويراوغُ مَنْ يتثاءبُ في عرباتِ القطارِ إلى الجامِعَةْ
وبين زحامِ الشَّوارعِ نلتقطُ الضحكاتِ
ولم ندْرِ أنَّ ملامحَ تلك الشوارعِ أنسجةٌ لخلايا القلوبِ
أوعيةٌ لجراحِ الأحبةِ
أنديةٌ لهمومِ الفؤادِ
ونحن نراقبُ بعثًا جديدًا
على شرفةِ الصُّبْحِ للكائناتِ التي أثقَلَتْها الهمومُ
وتنتظرُ البعثَ
لكنَّ قبضَتَها في العواصفِ خائرةٌ
ترتجفْ
يقولُ الخيالُ الذي حاصرتنا مواويلُه:
" كنتُ أرغبُ أنْ أتقدَّم..
غير أن الجواد الذي كان يصهل تحتي تخاذل..
فمن دوننا تستطيل المسافة..
تستطيل المسافة ما بيننا
تستطيل الخرافة
عن الكفِّ ذات الأفاعي
عن العين- ذات الشرار- المخيفة
تفصل العين والكف ما بيننا
والجواد الجموح"
أكان الجوادُ جموحًا أم القبضةُ الخائرةْ
وأنتَ تقيسُ المسافةَ بين الخرافةِ والعينِ ذاتِ الشرارِ
وبينهما أنفسٌ ضائعةْ
وأنتَ تقيسُ المسافةَ بين الأفاعيَ وبين الجوادِ الذي كان يَصْهَلُ
والكائناتِ التي في انتظارِ التقدُّمِ ترغبُ في لحظةٍ من ضياء
تقاومُ في قبضةِ العينِ ذاتِ الشرارِ المخيفةِ خوفَ الضياع
وأحلامُنا بين قبضةِ مَنْ يَرْجفون
وبين الأفاعي التي نصبتْ في الطريق الفخاخَ
وحلمُ المهمَّش ما أضيعهْ!
رافقتْكَ الغمامةُ حيث تحلُّ
فقد كنتَ لحنَ الغريبِ
وأغنيةً للقلوبِ التي أثقلتها الجراحُ
وأمنيةً للعيونِ التي تستشفُّ الربيعَ إذا داهمتْنا العواصفُ
أو مزَّقتْنا الخناجرُ والأسهمُ المشْرَعَةْ
وترسمُ في العينِ أيامَنا الحالمةْ
وإذ يصعدُ الموجُ عند اختلالِ الموازينِ
كي يغرقَ الفرقةَ الآثمةْ
تكونُ يداكَ سفينةَ حبٍّ لمنْ يطلبون النجاةَ
ومَنْ يمتطون ذُرَى الأمنياتِ
تقولُ: اركبوا نحتمي بالمواويلِ
ورَّثَنَاها الألى ومضوا كالشعاعِ على دربنا
والتضاريسُ مرسومةٌ في الوجوهِ
ولا خوفَ مِنْ هجمةٍ للأفاعي على حلمنا
ولا خوفَ مِنْ فيضانٍ يسدُّ الأفقْ.
*
رافقتنا الفجيعةُ حيث نَحلُّ
فقد كنت فينا رفيقًا لدربٍ
وحلمًا لقلبِ
وأمنيةً في الليالي العجافِ
وأغنيةً لحيارى القلوبِ
يا لتلك النفوسِ التي لم تزلْ تحتفي بالأنين
وتركضُ في ساحةِ الحلمِ مثقلةً لاهثةْ
يا لتلك العيونِ التي لم تزلْ تتفيَّأ ظلَّكَ في الندواتِ
وتعشقُ ضحكتكَ العابثةْ
سلامٌ عليكَ إذا الليل جنَّ
وحنَّ إليكَ صحابٌ كرام
وأيقظكَ الشعرُ والقلبُ أنَّ
فكنتَ الخيالَ وكنتَ السلام
سلامٌ عليكَ مع العابرين
إلى ضفَّةِ النورِ حيث المقام
سلامٌ عليك
سلامٌ عليك


* ملحوظة: السطور التي بين الأقواس هي من ديوان كائنات في انتظار البعث لمحمد السيد إسماعيل، 1989م.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...