أ. د. عاهد حلس - أسمع الموسيقى في الحرب...

أسمع الموسيقى في الحرب، وأستأذن أصدقائي الشهداء وزميلاتي الشهيدات،
وأجلس مثل قطٍّ على بقايا شرفتي، لأمتلئ بالهواء المنعش وزرقة البحر.
أسمع فيروز، ومارسيل، وثلاثي جبران،
وأراقب قلبي معلَّقًا كحبّة تين قاسية، وهو ينضج ويمتلئ بعسل الحب…
أرفع مفتاح الصوت حين تصدح فيروز: “رجعت الشتوية”،
فتعلو روحي مثل شالٍ يدنو من الغيم.
والشتوية بصوت فيروز – لا الشتاء – هي النفي التام للحرب ورطوبة الصيف معًا؛
هي الأهل، وموقد النار،
والعصافير المبلولة على أسلاك الكهرباء،
والحقائب الجلدية المبتلّة من طريق العودة من المدرسة.
لكن الطائرة، ومن خلال أجهزتها المتطوّرة، تدرك ما تعنيه “رجعت الشتوية” لغزّاويٍّ يُراد حصاره وتجويعه منذ أكثر من ستمئة يوم،
فتخترق حاجز الصوت، وتعلن عودتها هي ولا أحد غيرها،
فتقصف هدفًا قريبًا، يزلزل البحر والشرفة، وتقتل الأغنية.
أهرب إلى داخل الشقّة،
وأعتذر لأصدقائي الشهداء عن خيانتي الطارئة ،
وأعتذر لنفسي أيضًا،
عن فشلي المتكرر في منحها استراحة قصيرة من الحرب.. فى صباح اليوم التالي، أعود إلى الشرفة،
وأبحث عن أغنية أخرى،
تحملني على شال الغيم.

أ. د. عاهد حلس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...