شريف محيي الدين إبراهيم - أعلى من القمة

– سأصل إلى هناك، أو إلى ما هو أبعد...
قالها لزوجته، مشيرًا إلى نجم وحيد في السماء.
ضحكت بسخرية، لكنه أضاف، كمن يُنذر:
– من يطلب الضوء... لا ينجو من الاحتراق.
ومن يصعد دون أن يحمل قلبًا خفيفًا، يسقط بثقله.

هو لا يشبه أهل الحي.
يخرج كل صباح ببدلة نظيفة، وحقيبة صغيرة.
لا أحد يعرف أين يعمل، أو متى يعود.
لا يشاركهم مناسبات، ولا يجلس في المقاهي، لكنه يسلّم على الجميع بأدب.
قال أحد الأطفال إنه رآه مرة يرفع كفّه نحو السماء، يتمتم بلغة لا تشبه لغات البشر، ثم يُغمض عينيه كأنّه يسمع شيئًا لا يُسمع.

قال الجيران: مجنون.
قالت زوجته: نرجسيّ متعالٍ.
لكن أمّه كانت تقول:
ابني ليس عاديًّا.
يمتلك قدراتٍ تتجاوز البشر.
ذكاؤه خارق... عيناه تريان ما لا تراه الصقور.
قوته لا تُقهر.
عرف موت جدّه قبل أن يشتدّ عليه المرض.


---

[الخاتم]

ذات مساء، ضاع خاتم زوجته.
قلّبت البيت كلّه دون جدوى.
جلس إلى جوارها وقال برقة:
– توقفي... أغمضي عينيك.
قالت، ساخرة:
– سترى بعينَيّ أيضًا؟
مدّ كفّه، كأنّه يلتقط خيطًا غير مرئي،
ثم سار نحو حافة السجادة،
رفعها،
وكان الخاتم هناك.
حدّقت فيه بدهشة وهمست:
– كيف؟
قال: هذا سرّي.
– والسرّ إذا انكسر؟
– لا يُشفى... يتحوّل إلى لعنة.
– أريد أن أعرف.
– أخاف عليكِ من المعرفة. من يعرف أكثر من طاقته... يحترق بما عرف.


---

[المصعد]

في صباح رماديّ من شتاء المدينة،
دخل المصعد الزجاجي،
وقرّر أن يصعد إلى السطح الأخير للبرج الشاهق،
ذاك الذي لا يُرى إلا إذا رفعتَ عينيك أكثر مما اعتدت.


---

[الطابق الأربعون]

موظف يأكل شطيرة جبن، يحدّق في هاتفه.
سأله:
– إلى أين؟
– إلى الأعلى.
– لماذا؟
– لأصبح ما يجب أن أكونه.
ضحك الموظف:
– هناك، لا أحد في انتظارك.
القمة جوع... لا يُباع فيها شيء.
نظر إليه في صمت،
فانهار الرجل.
أعلن تبعيته، وصعد خلفه.
لكنه تمتم:
– من يربط مصيره بسلالم الآخرين... يصعد إلى وهم لا سقف له.


---

[الطفل المحموم]

في تلك الليلة، اشتعل جسد ابنهما بالحمّى.
الحرارة تلامس الأربعين.
المستشفى بعيد، والمطر يغرق الشوارع.
ركضت زوجته تبكي وتصرخ:
– سيموت بين يدينا!
اقترب، جلس إلى جوار الطفل،
مسح جبينه، وأغمض عينيه،
ثم بدأ يهمس بكلمات لا تُفهم.
توقفت الرجفة.
غرق الطفل في نوم هادئ.
قالت:
– ماذا فعلت؟
– فهمتُ الجسد... وخاطبته.
– صدفة!
– تعتقدين أنني وهم... لأنك لا ترين ما لا يُرى.
– أنا تعبت من كونك فوق الجميع.
قال بهدوء:
– ستفهمين... بعد أن يبتعد ظلي.


---

[الطابق الستون]

قاعة زجاجية.
رجال في بدلات داكنة.
شاشات ومؤشرات: الذهب، الدولار، الأسواق.
– ما وظيفتك؟
– أنا من يحكم هذا العالم.
– إذًا أنت لا شيء. الحكم بلا مال... مرض.
قال لهم:
– اتبعوني.
فمشوا خلفه كالمخدّرين.
ثم التفت وقال:
– المال مثل الدخان... من يتبعه، يختنق.


---

[الطابق الثمانون]

امرأة عجوز تمسح الأرض وتغني.
سألها:
– هل صعدتِ كثيرًا؟
– لا... لكني أغنّي لمن يصعد.
ثم همست، كأنها تعرفه منذ الأزل:
– القمّة لا تُمنَح، ولا تُشترى... تُستحقّ.
توقفت عن المسح، وحدّقت فيه:
– إن صعدت بلا قلب... عدت بلا ظل.
طلب منها أن تهبط.
ففعلت، وهي تواصل الغناء.
قال كمن يرثي زمنًا غابرًا:
– من يصعد دون ذاكرة... يضيع وإن وصل.


---

[الضوء والظل]

حين انقطعت الكهرباء،
جلس بجوار زوجته، وأضاء الغرفة بيده.
قالت:
– خدعة كهربائية.
أطفأ الضوء، مدّ يده إلى رأسها:
– لديكِ صداع في الجهة اليسرى.
شهقت:
– لم أخبرك بشيء.
– لا يُخبرني أحد... أنا أسمع الأجساد.
أشاحت وجهها:
– غرورك يُمرضني.
وفي ليلة أخرى، أفاقت تصرخ من كابوس.
ضمّها وقال:
– رأيتِ والدك يدفن نفسه.
همست:
– من أنت؟
– الذي اخترتِه، ثم أنكرتِه.
– أنت تكسرني.
– من لا يحتمل النور... لا ينجو من الظلام.
ومن لا ينكسر، لا يُعاد تشكيله.


---

[الطابق الأخير]

هواء نقي.
صمت كثيف.
جلس أولًا، وضع يده على قلبه المرتجف.
قال في نفسه:
"خفتُ مرّة واحدة... حين فقدتُ يد أمي وسط الزحام."
نهض ببطء،
وقف على الحافة.
رأى أمَّه تتحدث عنه، وزوجته تلعنه.
قال:
"هذا أنا... لا أُنقص إن أنكرتُم، ولا أزداد إن صدّقتم."
ثم ابتسم...
حين انفتح في السماء شيءٌ ما،
وغمر المكان ضوءٌ ساطع.

توقّف الذين تبعوه عند أبواب الطابق الأخير.
أحدهم بكى.
آخر عاد هابطًا في صمت.
ثالث ظل واقفًا، لا يصعد ولا ينزل.
لم يجدوا له ظلًّا.
فقالوا:
– لقد صعد فينا... دون أن نصعد إليه.
– وربما لم يصعد.
– وربما نحن الذين لم نرَ الطريق.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...