صلاح الدين بشر - السماء السابعة...

كانت رائحة الغراء اللاذعة تلتصق بمسامنا، تتسلل إلى الرئة، وتختلط بعرق يوم كامل من ثني الجلود وتطويعها في دكان المعلم "محماد الرايسة". عند الغروب، عندما كانت الشمس تلطخ جدران المدينة العتيقة ببرتقالي شاحب، كان يرمي لنا بضع ريالات، بالكاد تكفي لتهدئة جوع لا ينتهي. كنا طفلين، لكن أرواحنا كانت مثقلة بهموم شيوخ.
"كحيلة" كان يجرني خلفه نحو سوق "الطالعة". خطواته كانت أسرع من خطواتي، كأنه يطارد شيئًا لا أراه. كان طقسه اليومي شراء علبة "الكولة الحمراء" من بائع مواد الخرازة. تلك المادة اللزجة التي تستعمل لشد أطراف النعال، كانت بالنسبة له بوابة للتحليق بعيدا.
كبّ قطرتين على راحة يده اليمنى، دعكهما بعنف، ثم جمعهما على شكل قربة طينية صغيرة بفوهة ضيقة. حشر أنفه فيها، وبدأ يستنشق بعمق، بكل ما أوتي من قوة. تحولت عيناه على الفور إلى جمرتين حمراوين، ووجهه، الذي كان أسمرًا، بدأ يميل إلى زرقة غريبة، ثم سواد ممزوج بصفار باهت. كان معدنه الرخيص، المنحدر من دروبنا الصدئة، يصرخ في صمت.
لم نكد نخرج من "الطالعة"، مجتازين سويقة "الباروديين"، حتى بدأ "كحيلة" يتمتم. كلماته كانت تتدفق كتيار مياه عكرة: عن الدنيا الغادرة، عن الزمن الذي لا يرحم، عن جدوى الحياة، اليتم، الفقر، القهر، التسلط، و"عيشة الدبانة فلبطانة". انتهى تمتمته بترديد أغنيته المفضلة، أغنية مهمومة لـ"ناس الغيوان". راح يصدح بها بصوت مرتفع، غير عابئ بأحد.
قلت له :
- "اخفض صوتك يا " كحيلة!" ، نحن في الشارع، قد يسمعك أحد أصحاب الحال، أو يطير بك البوليس.
قهقه قهقهة عريضة، كادت تسقطه على الأرض، ناشرًا خرقة جسده النحيل،ثم قال:
- أنا نفسي أريد أن أطير! ألم نشترِ "الكولة" إلا لغرض الطيران؟ ألا تريد أن تطير معي؟".
- سألته وقلبي ينقبض. إلى أين تريد أن تطير بنا يا كحيلة؟
- إلى السماء السابعة... إلى الجنة... إلى حيث تحلق الطيور ولا تعود !
لم أفهم شيئًا. فقط أدركت أن مفعول الكولة قد فعل فعلته ، حيث بدأ يهمهم :
- إننا نعيش في حبس فسيح وعريض، كالحيوانات في الغابة. بالرغم من شساعة هذه المدينة بميادينها وشوارعها العريضة وساحاتها وأسواقها وحدائقها ودروبها وأزقتها، فهي لا تعدو أن تكون زريبة كبيرة لحشر البهائم والحيوانات، مع إحكام سياجها... أما السماء السابعة فأرحب عيشًا وحلمًا.
- أراك قد دخت دوخة حكيمة مجنونة...
- الدوخة سفر مريح يا خويا "قرجيح"، والطيران رحلة عجيبة إلى السماء السابعة.
تركته سابحًا في أوهامه وأوهاله، غارقًا في بحر كَمَدِه. كان يطلق زفرات حزينة،وينفث زبدًا أبيض يخرج من فمه كسم زعاف نقعته في أعماق أحشائه أفاعي "الكولة الحمراء". مشيت بجانبه، أستمع لشخير يقظته المخلوط بتمتمات الدوخة التي استحكمت قواه الخائرة،
والتي كانت تصدر صفيرًا تائهًا في اللامعنى الذي يحيط بهذه الحياة اللعينة.
كان الظلام قد أدركنا عندما اجتزنا باب فاس، مخلفين وراءنا سور المدينة العتيقة. أخذنا في الطريق الترابي بين مقبرة "سوق الخميس" وقنطرة "عين إطي"، باتجاه "جنان سقر"، ومنها إلى حينا الشعبي الفقير " ديورالعفاريت "، رديف شظف العيش والحيلة .
ونحن نسير في الطريق، وكل واحد منا يناجي دواخله حسب مزاجه، فجأة، وبدون سابق إشارة أو عبارة، أوقفني"كحيلة"
قائلا:
- "انظر... انظر... انظر يا صاحبي!!!"
- "أنظر ماذا؟ وأنظر أين؟"
- "انظر إلى السماء، إلى وسط القمر المضيء، ألا ترى شيئًا؟"
- "أنا لم أرَ وسط القمر إلا نوره الساطع وبعض الغيوم البيضاء المتفرقة يتخللها بعض السواد والرماد الخفيفين..."
- "وماذا رأيت أنت؟ لقد دوختك الكولة دوخة معتبرة، خاصة بعد الجرعات الأخيرة..."
- "أنا أرى سيدنا علي، أبو للافاطمة الزهراء، هناك، في كبد القمر، يركب جوادًا أبيض ضخمًا ويرفع سيفًا صقيلاً براقًا في مبارزة حامية مع سيدنا قدر الذي يركب جوادًا أسودًا. انظر الغبار الرمادي للمعركة يتطاير في فضاء القمر... الغبار نازل إلينا، خذ حذرك قد يحرقك... أشفق على سيدنا علي من المعركة، قد يهزمه سيدنا قدر فهو أقوى وأقسى على الإنسان والزمان... دائمًا أتخيله عملاقًا وجبارًا كغول البحر الذي بلع الدنيا وما فيها..."
- خويا "كحيلة"، توقف عن الشم، لقد دخت بما فيه الكفاية! اترك لركبتيك بعضًا من قوتها تسعفك على الوصول إلى بيتكم!"
- "ومن قال لك يا خويا " قرجيح" أنني أريد أن أصل إلى بيتنا، وأي بيت تقصد؟ أتقصد زريبتنا العفنة؟"
قال كلامه بنبرة ممزوجة بكثير من الحزن الممض، الدائخ والتائه في كل الاتجاهات المندورة للسراب والمجهول المزركش بشتى الألوان والنجوم والأحلام القابعة في خيال أوهامه المستحيلة. طار من أمامي راكضًا إلى أن توسط طريق الزفت العريضة، وبسط ذراعيه كجناحي طائر خرافي، إذ بدأ يحركهما صعودًا ونزولًا، عازمًا على التحليق كما تفعل الطيور. أدهشتني حركاته فقلت:
- "ماذا تنوي أن تفعل؟ انتبه للطريق...".
- "أريد أن أطير إلى القمر، هناك حيث سيدنا قدر طغى وتجبر على دنيانا ويوشك أن ينتصر على سيدنا علي ولي التائهين والهائمين على بطونهم في الحشائش العفنة كديدان المقابر المنسية في أطراف مدينتي اللقيطة...".
- "ماذا تهلوس؟ لن تستطيع التحليق...".
كان مصرًا، وهو في وسط الطريق، على أن يطير إلى القمر. وفي غفلة مني، فاجأته سيارة مجنونة طائشة. لم أسمع سوى صرير الإطارات الحاد، ثم صوت ارتطام مكتوم، كأن شيئًا هشًا قد انكسر. وفي تلك اللحظة، رأيته. لا، لم يرتفع جسده نحو السماء السابعة، بل انبعث منه ضوء أبيض خاطف، كأنه روح تحررت فجأة من قفصها، صعدت عموديًا، لا إلى الأعلى، بل إلى الداخل . انكمش الضوء، ثم اختفى، تاركًا خلفه فراغًا هائلاً في صدري. لم يكن هناك جسد ملقى على الإسفلت، فقط صمت ثقيل، ورائحة غراء لاذعة، وقمر يحدق بنا من عليائه، كشاهد أبدي على رحلة لم تكتمل، أو ربما اكتملت، ولكن في مكان لم نكن لنطير إليه أبدًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...