إبراهيم محمود - الطاغية... قصة



في لحظة ما، لحظة لم تكن في حسابه البتة، وهو في غرفة نومه، إزاء مرآة كبيرة، تكاد تغطي حائط الغرفة الكبيرة الفخمة بالكامل، والمقابل لسرير نومه الضخم، أمعن النظر في هيئته.
كل شيء كان يثيره من الداخل وهو بلباسه الذي لم يخلعه أبداً مذ عرِف بهذا الاسم: الطاغية.



الطاغية - طبعة فنية راقية: مطبوعات فاخرة، موقعة من ثيو فان ليوين

لباسه المثقل بالنياشين، الرتبة التي تحملها كتفاها والتي جرى ابتداعها بناء على رغبته الخاصة، ألقابه المتنوعة : النسرية منها والنمرية والأسدية وسواهما.وجهه الذي شغله كثيراً وهو يظهره مرهوب الجانب، حجمه اللافت بضخامته، وهو في لباسه ذاك.
فتنته صورته المبجله في المرآة.
كيف أصبحت هكذا؟
السؤال الذي تسرّب إلى واعيته، كان له وقْعه.
شده في اللحظة تلك، وملؤه فضول مستجد، إلى هيئة تعنيه مذ كان مجهول الاسم.
كيف كانت هيئته يا ترى؟
نسي المحظورَ الذي يكلف كثيراً، وهو يستشعر قوة داخلية غير مسبوقة، وهو يبدأ بخلع ما كان يغطيه من هامة رأسه إلى أخمص قدميه، حيث إن الذي كان يعرَف عنه، هو أنه لم يسبق له أن خلعه. كان ينام هكذا، ويدخل الحمام دون أن يراه أحد في عريه، حتى وهو نفسه.
بدأ بالرأس، نزولاً إلى القدمين، استغرقه ذلك وقتاً، وهو غارق في سريان فعل الفضول الذي لا يقاوَم، لأن يصل إلى ما كان عليه ذات يوم، غير ملتفت إلى نداء كان يتردد صداه داخله: قد لا تفلح ثانية في العودة إلى هيئتك التي أنت عليها.
كل خلع لقطعة من القطع التي كانت تغطيه، كانت تزيد وتيرة حركة يديه لخلع الأخرى، إلى أن انتهى من كل شيء يغطيه.

***

وهو يتلمس جسمه، ممرراً يديه على كل شيء في جسمه، كان يعيش ذهولاً مما هو عليه، كأن قوة ما تحول دون عودته إلى سابق عهده قبل قليل. أرعبه ذلك. كيف أنتهي هكذا؟ كان ذلك سؤاله الأخير ، كلامه الأخير، نظرته الأخيرة إلى نفسه .

***

استغرب حرسه الخاص، المعنيون بأمره، من عدم ظهوره، حيث شغلهم تأخره كثيراً.
كان لا بد اقتحام غرفته بعد الكثير من التردد . يا للهول!
قطَعه التي تستره كانت متناثرة في المكان، وهي تغطي أرضية الغرفة والسرير.
راع الذين اقتحموا غرفة الطاغية وجود مخلوق ضئيل الحجم، مشوه الخلقة، لا يشبه أي مخلوق، كان مطأطأ الرأس، وعيناه الصغيرتان جداً تحدقان في الفراغ.
لم يستطيعوا الربط أبداً بين رؤيتهم لذلك المخلوق، والذي كانوا يرتعدون لمرآه، وهو بهيئته التي كان يُعرَف بها داخل قصره المهيب وخارجه!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...