إبراهيم محمود - الحمار... قصة




دفعوا به إلى داخل القصر، وهم يهتفون باسمه، لم يستطع صدَّهم، أو الإفلات من أيديهم التي استحكمت به. أدخلوه بهوه واسعاً جداً، ومن ثم قادوه إلى الحمام ، وبدأوا بتعريضه لماء معدّ لغسله.
أيد كثيرة شاركت في استحمامه. تلك كانت المرة الأولى التي يجد نفسه محط اهتمام غير معهود.استشعر لذة بكامل جسمه. كان الماء الساخن مختلطاً بأنواع من العطور التي كادت أن تفقده توازنه، حين استسلم للأيدي التي حرَّكت فيه روحاً جديدة.
أعلنوا عن اسمه في حفْل تنصيب خاص، وبحضور وسائل الإعلام السمعية والبصرية، بثّتَ وقائعه في البلاد وخارجها: إعلان الحمار حاكماً مطلقاً للبلاد!



لوحة "عين حمار"، لورانس سونوا، رسام حيوانات


ظهر بشكله، وجرّاء الاهتمام به، مغايراً لما كان عليه قبل إدخاله القصر المهيب، قصر إدارة البلاد في أعلى مستوى لها.
الذي لم ير حماراً من قبل، كان من الصعب التعرف عليه بوصفه حماراً، وقد أخضِع لتغيير في مظهره الخارجي، كما يليق به.
من أذنيه إلى ذيله، جرى إخضاعه لعملية تجميل.
الأهم واللافت، هو أن المعنيين بأمره، ألجموه، لافين أعلى شدقيه بمادة نسيجية رقيقة ، لكنها قوية، لا تسمح له بفتح فمه على وسعه. كان قصدهم هو منعه من النهيق الصوت الذي يعرَف به جيداً.
نريدهم حماراً من نوع مختلف، لتعرَف به البلاد، ليُعرَف به شعبنا، يدل على تحملنا للشدائد ومواجهة الصعب وصبرنا الاستثنائي.هكذا كانوا يرددون!
قيلت خطب نارية، وقصائد كتِبت للمناسبة هذه، وهيئت البلاد لحفل التنصيب الغريب العجيب هذا.
حملت مفارق الطرق، ساحات المدينة، الأمكنة البارزة، ومداخل الحدائق صور الحمار بأبهى حلة، يشتهي الناظر رؤيتها.
وزّعت طوابع بهذه المناسبة كذلك، وهي تحمل صوراً للحمار في وضعيات مختلفة. في كل صورة ثمة لقطة مختلفة، دالة على مدى سعادة الحمار، طريقة التصوير الدالة على تشارك خبرات مختلفة في ذلك .
كل قرار كان يتقدمه اسمه، وفي ذيله ثم ختم يشير إليه، على هيئة حافر، لا يُشَك في حقيقته .
ازداد وضع الحمار سوءاً، وهو بالكاد يخرج ، بالكاد ينهق، وسط تفاقم الأوضاع في البلاد.
كان جسمه يهزل مع الوقت رغم تقديم أفضل أنواع العلف له، لكنه فقد الشهية.
في مناسبة دورية، مناسبة تنصيبه حاكماً للبلاد، وقد ظهر في مكان عال، وجسمه مغطى، في محاولة لضبطه، وتفادياً لأي طارىء.
وسط دوي الهتافات والكلمات النارية المجلجلة في المكان، والبث التلفزيوني والإذاعي، استشعر الحمار قوة صعدت به إلى الأعلى، مكَّنته من تحرير فمه من لجامه والمادة القماشية القوية المشدودة عليه، وقد أطلق نهيقاً اهتزت له أرجاء المكان.
حلّق جسم الحمار في فضاء المكان، كما لو أنه طائر بجناحيه، والذهول يشل الجميع.
انطلق الحمار وهو ينهق بأعلى صوته، ودون انقطاع صوب الفراغ الذي يؤدي به إلى فراغ آخر، وكان صدى نهيقه يغطي سماء المدينة. حاول حفظة النظام اللحاق به وهم في بلبلة مما يحدث. كان الحمار ينطلق كسهم خارق، متجاوزاً كل نقاط السيطرة في المدينة .
كان الحمار ينطلق غير عابىء بكل ما يعترضه، كما لو أن قوة لم يعهده من قبل، تدفع به إلى حيث يريد، وهو يطوي الأرض طياً.
وجد نفسه في برّية مفتوحة، ونهيقه يرسم دوائر من حوله، كان ثمة صوت يتردد داخله: أين أنتم يا أهلي !
وجد نفسه محاصراً بقطيع من الذئاب وهي تشده، مانعة إياه من التقدم. وهي تغرز أنيابها ومخالبها في جسمه. شعر بلذة غريبة، مرفقة بعملية النهش، استرخى على أثرها، وانطرح أرضاً، سعيداً إلى أقصى حد، مقدَّراً على طريقته، أنه سيموت حماراً !
التفاعلات: محمد علاء الدين

تعليقات

ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...