إبراهيم محمود - احتضار مدينة... قصة

حملت الحديقة العامة للمدينة أشجارَها، وأودعتْها حقيبتها النباتية، وانطلقت مسرعة إلى خارج المدينة، دون أي التفاتة إلى الوراء.
وحين سئلت عن حقيقة الأمر، كان جوابها، وهي في غاية التوتر:
هذا المكان لم يعد يصلح لي وأشجاري، إذ كلما يقتعدون ظلالي، يباشرون التراشق بكلمات من نار. علي أن أجد جهة أخرى، أطمئن فيها على حياتي.


لوحة" صباح ضبابي " للفنان كوس كاراثاناسيس

***

اضطرب النهر بامتداده المائي، وانكفأ على نفسه مذعوراً. سارع هو الآخر، إلى حمْل نفسه في كرَة تدحرجت إلى خارج المدينة، وهو يكتم قهره. وحين سئل عما يجري، كان جوابه السريع والحانق :
كيف لي أن أتنفس عميقاً وطويلاً، وعلى ضفَّتيَّ يفترش أهل المدينة نداوتي وعشبي، وهم يتراشقون بكلمات من رمل وغبار.

***

غيّرت الشمس التي عهدتها المدينةُ من قديم الزمان، مسارَها، مسلّمة إياها لظلام دامس. وحين سئلت عما تقوم به، أجابت، وهي تزدرد ريقها بحنق:
لم أعد أتحمل البقاء في مدينة، لا يكف أهلها عن تجاهل نوري، وهم يتراشقون بالعتمة.

***

انتزعت الأسماء نفسها من ذاكرات أهل المدينة، وهوياتهم إلى جانب صورها، وانطلقت بسرعة قياسية إلى خارج المدينة. وحين سئلت عما تفعل، كان جوابها، وهي ترتعش بكاملها:
كيف لي أن أستمر في مدينة،يتجاهل أهلها معاني الكلمات التي جعلوها أسماء لهم، وهم لا يكفون عن التراشق بكلمات من العدم .

***

في ساحات تشققتْ، وطرق غطاها الغبار والرمل، وزوايا معتمة، حيث واجهات المدينة عارية عن كل شيء، ظهر أهلها وهم يصطدمون ببعضهم بعضاً، يتبادلون النظرات، ويتلامسون بالأيدي، ويصدرون أصواتاً غير مفهومة، وفي عيونهم ليس سوى بياض غير مسبوق.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...