وصلَ الخبر إليه: "قُتِل والدها"...؛ فانزاحَ الأكسجينُ من الغرفة، كأنَّ الدنيا كلها كانت تستند على الجدرانِ وانهارت فُجأة.
أخذَ لؤيّ يذرع الغرفةَ ويُردِّد كمعتوه:
ها هو مرةً أخرى يُخبئ اسمَها في وسطِ الضمير:"... ها"؛ لكنَّ صوتَ الضمير يقول له: "هي نِفْدٌ اختبأ تحتَ ظلالِ الجبل".
جاءه شيطانُ الرحمةِ فهدَّأَ من روعه؛ فوقفَ على حافّةِ السَّرير وكأنَّه يتجهّز للخُطبةِ أو الانتحار...! لكنّه سَقَطَ مغشيًّا عليه بعد أن تذكَّر المشهدَ الأول:
كان في العاشرة ربيعًا وهي على مشارفِ أن تُبعثَ نبيةً إلى النَّاسِ كافةً، على مشارف الأربعين تجلس في بانيو الحمّام عاريةً تنتظر اللهَ يُوحي لها...، فتحَ بابَ الحمّام بعنف فوجدها قائمةً تُصلي في محرابِ الجمال، تُنشِّف جسدَها بمنشفةٍ بيضاء، كأنَّها استبطأت الوحيَ ولم تدرِ أنَّ اللهَ حلَّ في جسدها لمَّا راقبها هذا الصغير من خرم الباب...! لم تصرخ في وجهه أو تضربه على ما فعل، ولم تُغطِ جسدَها، بل أبرزت نهدَيْها كأنًّهما علامةُ الوحي القادم...! التقت عيناه بعينيها، فابتسمت لثوانٍ تجاوزت عددَ أصابعه والتقمت بيدها اليمنى نهدَها الأيسر، فتغطى النهدُ الأيمنُ بالذراع، وظلَّ عضوها التناسلي منتصبًا باتجاهه مُشْهِرًا عليه الغضبات، ثم اتَّجهت إلى البَابِ وأغلقته دونه، فمضى في سبيله.
صحا من غيبوبته، وعاد إلى سريره، وتذكَّر مشهدَ السيدة، لكنّه عادَ متحيّرا فالرجلُ الذي قُتِلَ اليوم هو والدة الفتاة لا السيدة...!
دخلَ الحمَّامَ وجلسَ تحت (الدُشّ)، الذي يضربه بمائه وكأنَّه مجرم تحتَ سياطِ جلادٍ لا يرحم، لكنَّه يُحبُّ الماءَ وهو يضربه؛ لأنَّه يُذكّره بماءِ السيدة الذي يَقطر من جسدِها وهي تتنشّف، كأنَّه كان ماء اللذة وهي تفغر فاها أمام سياط الجلاد، أو كأنَّه كتبَ قصيدةَ "بل فاسقني بالنَّهدِ ماءَ الحنظل..."
لبسَ أفضلَ ثيابه وتعطّر بعطرٍ تُحبُّ حبيبتُه أن تشمَّه على جسدِه الذكوري، تقول عنه:
خرجَ إلى مجلسِ العزاء، عزاءِ والدها القتيل...؛ مَلَّ من مجلسِ الرجال، فخرج إلى فناءِ الدار، فرآها من هناك... من النافذةِ التي تخترق مجلسِ النساء؛ كأنَّ وحيًا أتاه ليأمره بالخروجِ من مجلسِ الرجال وينظمَّ إلى مجلسِ النِّسوة اللاتي تعطّرن بالفرحِ الحزين...؛
رآها واقفةً بجوار أمها الأرملة (جميلة) التي كانت اسمًا على مسمى، إذ كان يُشَبِّهها عمُها في شبابها بــ (سعاد حسني) ...؛ كانت الأم جميلة تُحِبُّ الحجابَ والتستّر بقدر ما تُحب السيدة الجمالَ والعُري، وقد أصرّت جميلةَ أن تصبَّ القهوةَ للمعزّيات بنفسها فذاك أدعى لاكتمالِ الحياةِ مع زوجها القتيل...؛ أو ربما تُريد أن تُحدِّث كلَّ امرأةٍ على حِدَة، تبثُّ لها سرًا...!
لمَّا أقبلت جميلةُ على غادة -ابنةَ الجيران السمراء في البيتِ القديم- أحنَت رأسَها لتُعطيها الفنجان فخافت على نهدها الستّينيّ أن يَبيْن لعينيْ غادة، فارتبكت وسكبت القهوةَ على عباءتها، عباءةِ الضيفةِ السمراء...! فبكت جميلةُ وقالت لابنتها التي جاءت لتتدارك الموقف:
استغلت غادةُ الموقفَ وقالت بابتسامةٍ ناقصةٍ تُفَسّر الحلم: "أنتِ الآن حرة"، فوضعت جميلةُ أصبعَها في فمها، وكأنَّها عادت مراهقةً تستعدّ لحبيبٍ جديد، كأنَّ شهوتها انتفضت من جديد، كأنَّها تذكَّرت أنّه حانَ الوقتُ ليعود نهدُها من جديدٍ إلى انتصابه القديم.
رأى لؤي ما جرى من النافذة، ورأى الشهوةَ تتطاير من عيني جميلة، فتخيلها عاريةً كأنها السيدة، فشاحَ بوجهه عنها متذمرًا من وضعِه الجنسانيّ "كيف يشتهي أمَّ حبيبته؟" لكنَّه عادَ وتخيلها مرةً أخرى عاريةً بنهدين منتصبين كأنهما سيوفُ العز في آخر معركةِ النصر والفتوحات العربيّة...! ربما فعل ذلك؛ لأنه بحثَ في مجلسِ النساء ولم يجد السيدة، فحلَّت جميلةُ محلها، فهي قد وضعت ذاتَ الحِنَّاء الذي كان على ظاهر يدِ السيدة ووسطِ نهدِها وهي تغتسل بانتظار الوحي.
عاد لؤيٌ إلى منزلِه المُغَطّى بسحابةِ الكآبة، ووجدَ أمَّه جالسةً على درجِ العمارةِ تنتظر قدومه...؛ ارتمى في حضنِها وتذكّر أولَ فجرٍ غادرَ فيه حضنَ أمّه، حين أطلَقت يدَه من عند بابِ منزلهم القديم؛ ليذهب إلى صفِ أولى ابتدائي في الحارةِ المجاورة، وظلَّت تنظر إليه بحبٍّ إلهي حتى اختفى عن عينيها.
وكأنّه بهذا الحضن قد عاد توًّا من المدرسة: "فيا لَلْيوم الأول؛ ما أطوله".
دخلا إلى البيتِ، سألها لؤي: هل ذهبتِ إلى العزاء، أجابت بالنفي، لأنها متعبة...؛ فقال: من قتله؟ قالت: "الرجل المجنون في حارتنا القديمة، ألا تتذكره؟ ذاك الذي كنتم تسمونه وأنتم صغار: (نمر). قتله بسكينٍ مسمومٍ وهو يمشي إلى المسجد". استنكر لؤي: ما الذي جاء بالقتيل إلى حارتنا القديمة وهو من سكَّان جنوبِ الجزيرة؟ قالت: "ذهبَ ليُقابل الشيخ إسماعيل، لأنَّ والدك جاءه في الحلم وقال له: اذهب إلى الحارة، وأعطِ الشيخَ رسالة". قال لؤي: حتى وإن كانَ نمر مجنونًا فيجب أن يُقتل. قالت أمّه: "لا يهم. المهم أنَّ القتيل رحلَ إلى أمّي". لم يفهم لؤي قولَ أمه، فما علاقة جدته المتوفية منذ 17 عامًا بهذا القتيل...!؟ ردُّ أمِه بدا كنقشِ الحِناءِ الغامض الغريب على نهدِ السيدة، كأنَّه حبرٌ سريُّ على جدارٍ اغرورقَ بالمطر. لم يُصدّق تداخل الأحداثِ في رأسه، وصار ينتظر أن يصحو من نومه ليقول "يا الله، يا له من حلمٍ غريب...!"؛ لكنَّ الزمنَّ يبتسم كابتسامةِ جميلة الشهوانية، ويقول له: "أنتَ في الواقع".
نامَ تلك الليلة في حضنِ أمّه، لعله ينسى ما جرى...؛ وغَرِقَ في نَومٍ كنَومِ الغَريق.
صحا في اليَّوم التَّالي، ثاني أيام العزاء...؛ فلم يجد أمَّه، ووجدَ القتيلَ في بيتِه حيًّا، كان يقف تحتَ المصباحِ الأصفر في المَمرِّ الذي يفصلُ بين المطبخِ والمكتبة، ومعه امرأةٌ مُتَجلبِبَة بردائها اللازوردي...؛ رآه القتيلُ لكن لم يعرفه، وكأنَّه فاقدٌ للذاكرة، كتسعينيٍّ يلعب النردَ مع الزهايمر؛ أيهم يكسب الحظَّ في الحياة؟
اقترب منهما، لينظر مَن المرأة التي مع القتيل؟!، فشهقَ شهقةَ مَن تجلّى له اللهُ عند الجبلِ قبل أن يجعله دكًّا؛ إنها هي…؛ إنها السيدة. السيدة التي تركت ديارَ هذا القتيل في الجنوب البعيد منذ خمسين عامًا وسكنت ديارًا نائية، وتكوّر نهدُها بلذةِ سُلالةِ أهلِ الشَّمال...؛ اجتمعا في بيتِه...؛ كأنَّه واسطةُ عقد...؛ قال القتيلُ لها بصوتٍ خافتٍ: "يا ابنتي، إذا انعطفتِ في المنحدرِ بعد شجرةِ التين الشَّوكي، انزلي باتّجاه الوادي حتى تبلغي قرى بني مازن، ثم ادخلي يمينا من بين أشجار الأبنوس، ستجدين البيتَ كما هو. الجدران تشقَّقت قليلًا، لكنَّ أحجاره ما زالت تتنفس وجودكِ"
ارتعب لؤي... وأخذ يُكَرّر وهو يحاول التنفس بصعوبة: "يا ابنتي؟! كيف يقول لها "يا ابنتي؟ إنها عمّته، هل بدّل الموتُ الرتَب؟ أم هي لذتي حلّت بهذا القتيل فاستنطقته؟"
تقرفَص لؤيُّ على نفسه في الزاويةِ، وأخذَ ينشج كالثكالى: "ما الذي يجري؟". أخذته سِنَةٌ من النَّوم، ولما صحا لم يجد أحدًا ووجدَ المصباحَ الأصفر مفقوء العين.
في اليومِ الثَّالثِ للعزاء، ومع مطلع الفجر قرر الذهابَ إلى جنوبِ البِلاد، ديارِ القتيل والسيدة، لينظر إلى بيتِها، الذي سمع وصفَه من فم القتيل...! وصله بعد جهدٍ يُشبه مَن يتنفّس من خرم البابِ الذي رأى منه الجسدَ عاريًا، كان البيتُ مائلًا فهو على جبلٍ خشعَ ذاتَ يوم من قرآنِ السيدة...؛ كان بابه يقع بين جذعيْ شجرتين، ووجده مفتوحًا على مصراعيه يُغطّي حوافَه العليا أغصانُ الأشجار...؛ دخلَ فشَعر بحفيف الأشجار يدخل بين فخذيه فهو يلبس سروالًا قصيرًا، عليه رسوماتٌ بحرية.
كان البيتُ مهجورًا...، لم يَخَفْ، استمرَّ في الدخول، حتى رأى السيدة تجلس القرفصاء عاريةً تدقّ الهيلَ في نجرٍ قديم...، رأته وابتسمت ابتسامةَ العارف أنه سيأتي، وقالت: "الطريق إلى الجنوبِ ليس طويلًا، لكنَّه محفوفٌ بالماءِ والعيونِ التي لا تنام".
تقدم إليها بخطىً بطيئة، وكأنَّ سرعتَه الضوئية إلى نهدها في الحمام صارت سلحفاةً لا تنتظر أحدًا...، توقَّف في منتصفِ الطريقِ إليها فقد تذكّر الأصبع في فم الأرملة جميلة، وتذكّر المنشفة البيضاء، والنهد المكور كحبيبات رمانٍ متجمعة في منديل، ونظر إلى الجسد العاري وقد مكر به الليلُ والنهار، فنادته السيدةُ العجوزُ بهمسِ لطيف: "تعالَ، اقترب، اشرب القهوة، الآن حمستُها وطحنتُها، وجهّزتُ هيلَها". وقفَ خلفَها، فوقفَت وأرادت أن تلتَفتَ إليه، فأمسك بخصرها المترهّل بين مرفقيه، ومدَّ يديه إلى نهديها الكبيرين المتهدّلين، واستنشق شعرَها المتعكّر صفوه منذ عشرين سنة.
أبعدته عن جسدِها، وأجلسته أمامها وسكبت له القهوةَ، وقالت: "هذا فنجانك في يوم عزاءِ القتيل ابنِ أخي، لم تشربه. بقي كما هو حين تركْتَه وخرجتَ تَتَلصّص على النساء". قالت له بعد أن قامت واستدارت ليرى مؤخرتَها وطولَ ظهرها واستقامة رقبتها: "أي أنثى تراها الآن؟" ثم وجّهت وجهها إليه واستعرضت نهديها وفخذيها والغابةَ التي بينهما وقالت بصوتٍ مخيف: "من أحببتَ في مجلسِ النساء غير ابنة القتيل ابنِ أخي؟" سقطَ صوتُه في هاويةِ اللا جواب، وشعر بالنعاس وكأنَّ ما شربه كان مخدرًا...! بدأت أطرافُه تتنمّل، ثم لحقتها أعصابُه كلها، ودخلَ في هلوسةٍ، وسمعَ صوتَ السيدة بعيدًا كأنَّه جاءَ من بئر عميق:
أخذَ لؤيّ يذرع الغرفةَ ويُردِّد كمعتوه:
"قُتل والدها"...! "قتِل والدها"...! "قتلَ والدها"...!
ها هو مرةً أخرى يُخبئ اسمَها في وسطِ الضمير:"... ها"؛ لكنَّ صوتَ الضمير يقول له: "هي نِفْدٌ اختبأ تحتَ ظلالِ الجبل".
جاءه شيطانُ الرحمةِ فهدَّأَ من روعه؛ فوقفَ على حافّةِ السَّرير وكأنَّه يتجهّز للخُطبةِ أو الانتحار...! لكنّه سَقَطَ مغشيًّا عليه بعد أن تذكَّر المشهدَ الأول:
السيدة؛ التي من أجلها عَشق البرّية...؛
كان في العاشرة ربيعًا وهي على مشارفِ أن تُبعثَ نبيةً إلى النَّاسِ كافةً، على مشارف الأربعين تجلس في بانيو الحمّام عاريةً تنتظر اللهَ يُوحي لها...، فتحَ بابَ الحمّام بعنف فوجدها قائمةً تُصلي في محرابِ الجمال، تُنشِّف جسدَها بمنشفةٍ بيضاء، كأنَّها استبطأت الوحيَ ولم تدرِ أنَّ اللهَ حلَّ في جسدها لمَّا راقبها هذا الصغير من خرم الباب...! لم تصرخ في وجهه أو تضربه على ما فعل، ولم تُغطِ جسدَها، بل أبرزت نهدَيْها كأنًّهما علامةُ الوحي القادم...! التقت عيناه بعينيها، فابتسمت لثوانٍ تجاوزت عددَ أصابعه والتقمت بيدها اليمنى نهدَها الأيسر، فتغطى النهدُ الأيمنُ بالذراع، وظلَّ عضوها التناسلي منتصبًا باتجاهه مُشْهِرًا عليه الغضبات، ثم اتَّجهت إلى البَابِ وأغلقته دونه، فمضى في سبيله.
منذ ذلك النَّهار لم تعد الحياة تتدفّق كالأنهار، بل اختلط حابلُ الأمواجِ بنابل الأجساد.
صحا من غيبوبته، وعاد إلى سريره، وتذكَّر مشهدَ السيدة، لكنّه عادَ متحيّرا فالرجلُ الذي قُتِلَ اليوم هو والدة الفتاة لا السيدة...!
دخلَ الحمَّامَ وجلسَ تحت (الدُشّ)، الذي يضربه بمائه وكأنَّه مجرم تحتَ سياطِ جلادٍ لا يرحم، لكنَّه يُحبُّ الماءَ وهو يضربه؛ لأنَّه يُذكّره بماءِ السيدة الذي يَقطر من جسدِها وهي تتنشّف، كأنَّه كان ماء اللذة وهي تفغر فاها أمام سياط الجلاد، أو كأنَّه كتبَ قصيدةَ "بل فاسقني بالنَّهدِ ماءَ الحنظل..."
لبسَ أفضلَ ثيابه وتعطّر بعطرٍ تُحبُّ حبيبتُه أن تشمَّه على جسدِه الذكوري، تقول عنه:
"يُغنيني استنشاقه أول ما تدخل البيت عن القهوةِ والهيل، وحين يقترب جسدك مني استغني عن تاريخِ الياسمين، وحين أعانقك أغطِسُ في بئرِ الفانيليا، لأجلبَ لك البخور والعود الأصلي فتكون أنتَ والعطر سواءْ..."
خرجَ إلى مجلسِ العزاء، عزاءِ والدها القتيل...؛ مَلَّ من مجلسِ الرجال، فخرج إلى فناءِ الدار، فرآها من هناك... من النافذةِ التي تخترق مجلسِ النساء؛ كأنَّ وحيًا أتاه ليأمره بالخروجِ من مجلسِ الرجال وينظمَّ إلى مجلسِ النِّسوة اللاتي تعطّرن بالفرحِ الحزين...؛
رآها واقفةً بجوار أمها الأرملة (جميلة) التي كانت اسمًا على مسمى، إذ كان يُشَبِّهها عمُها في شبابها بــ (سعاد حسني) ...؛ كانت الأم جميلة تُحِبُّ الحجابَ والتستّر بقدر ما تُحب السيدة الجمالَ والعُري، وقد أصرّت جميلةَ أن تصبَّ القهوةَ للمعزّيات بنفسها فذاك أدعى لاكتمالِ الحياةِ مع زوجها القتيل...؛ أو ربما تُريد أن تُحدِّث كلَّ امرأةٍ على حِدَة، تبثُّ لها سرًا...!
لمَّا أقبلت جميلةُ على غادة -ابنةَ الجيران السمراء في البيتِ القديم- أحنَت رأسَها لتُعطيها الفنجان فخافت على نهدها الستّينيّ أن يَبيْن لعينيْ غادة، فارتبكت وسكبت القهوةَ على عباءتها، عباءةِ الضيفةِ السمراء...! فبكت جميلةُ وقالت لابنتها التي جاءت لتتدارك الموقف:
"أنا خائفة ومرتبكة، حلمتُ ليلةَ البارحة بوالدكِ يقول لي غاضبًا: كنتِ الأسبوع الماضي تسقين قهوةَ غيرك، واليوم تسقين قهوتك".
استغلت غادةُ الموقفَ وقالت بابتسامةٍ ناقصةٍ تُفَسّر الحلم: "أنتِ الآن حرة"، فوضعت جميلةُ أصبعَها في فمها، وكأنَّها عادت مراهقةً تستعدّ لحبيبٍ جديد، كأنَّ شهوتها انتفضت من جديد، كأنَّها تذكَّرت أنّه حانَ الوقتُ ليعود نهدُها من جديدٍ إلى انتصابه القديم.
رأى لؤي ما جرى من النافذة، ورأى الشهوةَ تتطاير من عيني جميلة، فتخيلها عاريةً كأنها السيدة، فشاحَ بوجهه عنها متذمرًا من وضعِه الجنسانيّ "كيف يشتهي أمَّ حبيبته؟" لكنَّه عادَ وتخيلها مرةً أخرى عاريةً بنهدين منتصبين كأنهما سيوفُ العز في آخر معركةِ النصر والفتوحات العربيّة...! ربما فعل ذلك؛ لأنه بحثَ في مجلسِ النساء ولم يجد السيدة، فحلَّت جميلةُ محلها، فهي قد وضعت ذاتَ الحِنَّاء الذي كان على ظاهر يدِ السيدة ووسطِ نهدِها وهي تغتسل بانتظار الوحي.
عاد لؤيٌ إلى منزلِه المُغَطّى بسحابةِ الكآبة، ووجدَ أمَّه جالسةً على درجِ العمارةِ تنتظر قدومه...؛ ارتمى في حضنِها وتذكّر أولَ فجرٍ غادرَ فيه حضنَ أمّه، حين أطلَقت يدَه من عند بابِ منزلهم القديم؛ ليذهب إلى صفِ أولى ابتدائي في الحارةِ المجاورة، وظلَّت تنظر إليه بحبٍّ إلهي حتى اختفى عن عينيها.
وكأنّه بهذا الحضن قد عاد توًّا من المدرسة: "فيا لَلْيوم الأول؛ ما أطوله".
دخلا إلى البيتِ، سألها لؤي: هل ذهبتِ إلى العزاء، أجابت بالنفي، لأنها متعبة...؛ فقال: من قتله؟ قالت: "الرجل المجنون في حارتنا القديمة، ألا تتذكره؟ ذاك الذي كنتم تسمونه وأنتم صغار: (نمر). قتله بسكينٍ مسمومٍ وهو يمشي إلى المسجد". استنكر لؤي: ما الذي جاء بالقتيل إلى حارتنا القديمة وهو من سكَّان جنوبِ الجزيرة؟ قالت: "ذهبَ ليُقابل الشيخ إسماعيل، لأنَّ والدك جاءه في الحلم وقال له: اذهب إلى الحارة، وأعطِ الشيخَ رسالة". قال لؤي: حتى وإن كانَ نمر مجنونًا فيجب أن يُقتل. قالت أمّه: "لا يهم. المهم أنَّ القتيل رحلَ إلى أمّي". لم يفهم لؤي قولَ أمه، فما علاقة جدته المتوفية منذ 17 عامًا بهذا القتيل...!؟ ردُّ أمِه بدا كنقشِ الحِناءِ الغامض الغريب على نهدِ السيدة، كأنَّه حبرٌ سريُّ على جدارٍ اغرورقَ بالمطر. لم يُصدّق تداخل الأحداثِ في رأسه، وصار ينتظر أن يصحو من نومه ليقول "يا الله، يا له من حلمٍ غريب...!"؛ لكنَّ الزمنَّ يبتسم كابتسامةِ جميلة الشهوانية، ويقول له: "أنتَ في الواقع".
نامَ تلك الليلة في حضنِ أمّه، لعله ينسى ما جرى...؛ وغَرِقَ في نَومٍ كنَومِ الغَريق.
صحا في اليَّوم التَّالي، ثاني أيام العزاء...؛ فلم يجد أمَّه، ووجدَ القتيلَ في بيتِه حيًّا، كان يقف تحتَ المصباحِ الأصفر في المَمرِّ الذي يفصلُ بين المطبخِ والمكتبة، ومعه امرأةٌ مُتَجلبِبَة بردائها اللازوردي...؛ رآه القتيلُ لكن لم يعرفه، وكأنَّه فاقدٌ للذاكرة، كتسعينيٍّ يلعب النردَ مع الزهايمر؛ أيهم يكسب الحظَّ في الحياة؟
اقترب منهما، لينظر مَن المرأة التي مع القتيل؟!، فشهقَ شهقةَ مَن تجلّى له اللهُ عند الجبلِ قبل أن يجعله دكًّا؛ إنها هي…؛ إنها السيدة. السيدة التي تركت ديارَ هذا القتيل في الجنوب البعيد منذ خمسين عامًا وسكنت ديارًا نائية، وتكوّر نهدُها بلذةِ سُلالةِ أهلِ الشَّمال...؛ اجتمعا في بيتِه...؛ كأنَّه واسطةُ عقد...؛ قال القتيلُ لها بصوتٍ خافتٍ: "يا ابنتي، إذا انعطفتِ في المنحدرِ بعد شجرةِ التين الشَّوكي، انزلي باتّجاه الوادي حتى تبلغي قرى بني مازن، ثم ادخلي يمينا من بين أشجار الأبنوس، ستجدين البيتَ كما هو. الجدران تشقَّقت قليلًا، لكنَّ أحجاره ما زالت تتنفس وجودكِ"
ارتعب لؤي... وأخذ يُكَرّر وهو يحاول التنفس بصعوبة: "يا ابنتي؟! كيف يقول لها "يا ابنتي؟ إنها عمّته، هل بدّل الموتُ الرتَب؟ أم هي لذتي حلّت بهذا القتيل فاستنطقته؟"
تقرفَص لؤيُّ على نفسه في الزاويةِ، وأخذَ ينشج كالثكالى: "ما الذي يجري؟". أخذته سِنَةٌ من النَّوم، ولما صحا لم يجد أحدًا ووجدَ المصباحَ الأصفر مفقوء العين.
في اليومِ الثَّالثِ للعزاء، ومع مطلع الفجر قرر الذهابَ إلى جنوبِ البِلاد، ديارِ القتيل والسيدة، لينظر إلى بيتِها، الذي سمع وصفَه من فم القتيل...! وصله بعد جهدٍ يُشبه مَن يتنفّس من خرم البابِ الذي رأى منه الجسدَ عاريًا، كان البيتُ مائلًا فهو على جبلٍ خشعَ ذاتَ يوم من قرآنِ السيدة...؛ كان بابه يقع بين جذعيْ شجرتين، ووجده مفتوحًا على مصراعيه يُغطّي حوافَه العليا أغصانُ الأشجار...؛ دخلَ فشَعر بحفيف الأشجار يدخل بين فخذيه فهو يلبس سروالًا قصيرًا، عليه رسوماتٌ بحرية.
كان البيتُ مهجورًا...، لم يَخَفْ، استمرَّ في الدخول، حتى رأى السيدة تجلس القرفصاء عاريةً تدقّ الهيلَ في نجرٍ قديم...، رأته وابتسمت ابتسامةَ العارف أنه سيأتي، وقالت: "الطريق إلى الجنوبِ ليس طويلًا، لكنَّه محفوفٌ بالماءِ والعيونِ التي لا تنام".
تقدم إليها بخطىً بطيئة، وكأنَّ سرعتَه الضوئية إلى نهدها في الحمام صارت سلحفاةً لا تنتظر أحدًا...، توقَّف في منتصفِ الطريقِ إليها فقد تذكّر الأصبع في فم الأرملة جميلة، وتذكّر المنشفة البيضاء، والنهد المكور كحبيبات رمانٍ متجمعة في منديل، ونظر إلى الجسد العاري وقد مكر به الليلُ والنهار، فنادته السيدةُ العجوزُ بهمسِ لطيف: "تعالَ، اقترب، اشرب القهوة، الآن حمستُها وطحنتُها، وجهّزتُ هيلَها". وقفَ خلفَها، فوقفَت وأرادت أن تلتَفتَ إليه، فأمسك بخصرها المترهّل بين مرفقيه، ومدَّ يديه إلى نهديها الكبيرين المتهدّلين، واستنشق شعرَها المتعكّر صفوه منذ عشرين سنة.
أبعدته عن جسدِها، وأجلسته أمامها وسكبت له القهوةَ، وقالت: "هذا فنجانك في يوم عزاءِ القتيل ابنِ أخي، لم تشربه. بقي كما هو حين تركْتَه وخرجتَ تَتَلصّص على النساء". قالت له بعد أن قامت واستدارت ليرى مؤخرتَها وطولَ ظهرها واستقامة رقبتها: "أي أنثى تراها الآن؟" ثم وجّهت وجهها إليه واستعرضت نهديها وفخذيها والغابةَ التي بينهما وقالت بصوتٍ مخيف: "من أحببتَ في مجلسِ النساء غير ابنة القتيل ابنِ أخي؟" سقطَ صوتُه في هاويةِ اللا جواب، وشعر بالنعاس وكأنَّ ما شربه كان مخدرًا...! بدأت أطرافُه تتنمّل، ثم لحقتها أعصابُه كلها، ودخلَ في هلوسةٍ، وسمعَ صوتَ السيدة بعيدًا كأنَّه جاءَ من بئر عميق:
"أتريد أن تنام؟"