بهاء المري - وردة في غير أوانها ...

مدرّس شاب، اشتهر ببراعته في إيصال المعلومة، وبحديثه الذي ‏يشبه المطر في رقّته. لكن المطر لا يكون دومًا طاهرًا…‏
في أعماقه، كان قلبه يعاني خواءً، وعينه تبحث لا عن التلميذ ‏المجتهد، بل عن طريدةٍ ينسج حولها خيوط الودّ المزيّف.‏
رآها ذات مساءٍ في الصف، فتاة لم تتجاوز أعوام الورد، تضيء ‏عيناها شغفًا بالعلم، ويُظلّل سلوكها حياء الفطرة.‏ وجد فيها ما ظنه سهلًا… فأحاطها بكلماته العذبة، وتظاهر بأنه ‏يراها استثناءً، مختلفة، فريدة.‏
هي لم تكن تعرف شيئًا عن الأقنعة، ولا عن القلوب التي تقول ‏شيئًا وتخفي نقيضه. ظنت أن الود صادق، وأن التقارب نقاء، فأذنت له ‏بالدخول إلى عالمها الصغير، على استحياء.‏
وفي يومٍ، دعاها بلغة المعلم، لا العاشق، قال: "الدرس لن يأخذ ‏وقتًا… والبيت هادئٌ هذا اليوم". لم تسمع جرس الخطر… فالعيد يوم ‏بهجة، والمعلم عنوان أمان.‏
دخلت. وكان وحده هناك. جلسا. وكان الصمت يثقل المكان ‏رغم حديثه الكثير. تحدث عن أحلامها، عن مستقبلها، ثم بدأ يقترب شيئًا ‏فشيئًا… حتى لمس حدودًا لا يجب أن تُمسّ.‏
ارتبكت، لكنه طمأنها، لا بكلمة معلّم، بل بنبرة مُخادع. ظنت أن ‏هذا هو الحُب، لكنه كان شيئًا آخر، اسمه الحقيقي: الخداع.‏
عادت إلى بيتها، تحمل وجعًا لا تعرف كيف تسميه. تحاشت ‏أعين أمها، ونامت على وسادةٍ من الارتباك والخوف.‏
وحين حاصرتها الأسئلة، انفجرت دمعة على خدّها، ‏وتكلمت… قالت إن قلبها خُدع، وإنه لم يكن درسًا بل شركًا.‏
قال هو: "كان برضاها". لكنها كانت قاصرًا، لا تعرف كيف ‏تقول "لا"، ولا كيف تفسر "نعم".‏
في المحكمة، ظهرت الحقيقة. كشفت رسائل الهاتف لغة لا تليق ‏بتلميذة ومُعلم. أدانته الحروف قبل أن يدينه القاضي.‏
لم يكن الحبّ ما أراده، بل الهيمنة. ولم تكن الفتاة في قلبه، بل في ‏شَرَكه. خرجت من القاعة، ودمعة تُرافقها، لكن في عينيها نورٌ جديد: فهي ‏ليست ضحية فقط، بل ناجية.‏
وعرفت، متأخرة ربما، أن الثقة كنزٌ لا يُمنح إلا لأمناء القلوب، ‏وأن الوردة… حتى إنْ قُطفت قبل أوانها، فإنها ستنمو من جديد.‏

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...