شريف محيي الدين إبراهيم - العصا...

كرهته كما لم أكره أحدًا في حياتي.
وأنا لا أكره الناس بسهولة!!

كان شيئًا آخر.
كائنًا من زمنٍ آخر.
صامتًا أكثر مما يليق ببشر.
ملامحه جامدة، ونظراته تحمل شيئًا من التحقير الخفي.
لا يبتسم، لا يمزح، لا يعلّق.
يسير بيننا كأننا غير موجودين.
كأننا ظلال، أو هواء... أو لا شيء.

همّام عبد الجليل الباشا.
رئيس مجلس الإدارة.
المالك.
ظلٌّ طويل لعائلة أرستقراطية؛
جدّه كان رئيس وزراء، وأبوه مات على كرسيه في مجلس الدولة.
وهو... بقايا هذا المجد المتحجّر.

وكانت العصا دائمًا في يده.
لم يهدد بها أحدًا، ولم يلمس بها أحدًا.
لكن مجرد وجودها كان كافيًا ليخفت الصوت، ويختفي الضحك، ويضطرب القلب.

كنت أعمل تحت سلطته.
وكنت أرتجف كلما مرّ من أمامي.
لا ينظر إليّ، ولا يذكر اسمي.
وأنا؟
كنت أراه في كوابيسي.
وجهه الخالي من أيّ مشاعر، وصمته المطبق، ونظراته التي تخترق الجلد.

ياسر، زميلي، كان دائمًا معي.
خفيف الظل، ساخر من كل شيء، حتى من خوفه.
كان يهمس لي كل صباح نرى فيه همّام يمرّ:
– ولا كأننا موجودون.
يبدو أن بهذه العصا سحر.
هذا الرجل ينظر إلينا كأننا صراصير.
أضحك بمرارة، ولكن ياسر يضيف:
– لو أمسك سوطًا بدل العصا، لأصبح باشا رسميًا من أيام الملك.

وذات يوم، كتبت تقريرًا مجاملًا، فيه تلميع لمديرٍ آخر رغبت في التقرب منه.
ظننت أنه سيمرّ دون ملاحظة.
فهمّام لا يقرأ شيئًا بنفسه... أو هكذا توهمت.
لكنه استدعاني.
كان واقفًا. العصا بيده. عيناه ميتتان.
مدّ التقرير نحوي، وقال بصوتٍ لا يكاد يُسمع:
– إمّا أن تكتب الحقيقة… أو لا تكتب شيئًا.

تلعثمت، ارتبكت، لم أتنفّس:
– كنت... أراعي بعض... الاعتبارات...

قال، دون أن يغيّر نبرة صوته أو ينظر في عيني:
– الاعتبار الوحيد الذي يعنيك… هو الأمانة.

ثم ضرب الأرض بالعصا.
وسقط قلبي رعبًا.
لم تكن ضربة... كانت حكمًا.

---

الأرشيف

صدر قرار نقلي إلى الأرشيف في نفس اليوم.
قضيت هناك ثلاثة أشهر.
غبار. ملفات منسيّة. لا تكييف. لا أحد.
كأنني دُفنت وأنا حيّ.
كنت أشتعل غضبًا.
حتى إنني قدمت استقالتي، إلا أنه ألقاها في وجهي، ثم صاح:
قبل أن تغادر الشركة، سَدِّد كل ما أُنفِق عليك.
فشهادة الدكتوراه التي تحملها كانت على نفقة الشركة.
لقد أُنفق عليك مبالغ طائلة.
أم أنك تُفضل أن أنقلك من قسم الأرشيف إلى السجن؟
كرهته أكثر.
كرهت صمته، وقسوته الباردة، وغروره الذي يجعله يمشي كأنه فوق البشر.
وفي أحد الأيام، وبين الأوراق، وقعت عيناي على ملف يحمل اسمي، بخط يده:
«ذكي… لكنه مغرور بما يكفي ليظن أنه لا يُخطئ. الأرشيف دواؤه.
تجمّدت.
كان يراقبني؟
يعرفني؟
يراني فعلًا؟
هل كنت مشروعًا في نظره؟ تجربة؟ أو خصمًا؟

عدت إلى مكتبي بعد انتهاء «العقوبة»، أكثر صمتًا.
وفي أحد الأيام، رأيتها.
قاعة اجتماع، جو مشحون، توتر صامت.
همّام خرج فجأة.
ثم، مرّت فتاة شابة من الباب.
كانت تمشي بثقة لا تشبه من في سنّها،
وجهها هادئ كأن فيه حزنًا قديمًا،
ملامحها مدهشة،
شعرها مربوط، وقميص أبيض بسيط، دون زينة، دون افتعال،
لكن عينيها فيهما ضوء غريب.
نظرة منها علقت في رأسي.
سألت ياسر:
– من هذه؟
قال: – حبيبة. ابنته.
قلت مذهولًا:
– لم أكن أعلم أن له ابنة أصلًا.
قال:
– لا أحد يعرف حياته الخاصة، حتى سكرتيرته.
ثم قال وهو يتأملني:
– على فكرة… همام بك مهتم بك.
– كيف؟!
– يسأل عليك كتيرا.
ثم ابتسم بخبث وأضاف:
– سمعته مرة يقول: «نديم... الشاب الذي يكرهني.»
صُدمت.
كان يعلم أني أكرهه… وكان يراقب… ولم يُبدِ شيئًا.

---

رحيل الجبل

كان الصمت الذي غلّف صباح ذلك اليوم ثقيلاً على غير العادة، كأن المكان نفسه يتحسّس غيابًا ما... كأن شيئًا هائلًا على وشك أن يحدث.
ثم جاءت الفاجعة.
انقلبت أروقة الشركة كأن زلزالًا ضربها.
وجوه مذعورة، وهمسات تتردد بين المكاتب، والسكينة التي كانت تُهابه قد انكسرت فجأة، لتحلّ محلّها رهبة الموت.
دخل ياسر بخطى مترددة، وصوته متهدّج:
– همّام بك… رحل.
نظرت إليه، جامد الملامح، ثم قلت بجمود:
– إنّا لله وإنا إليه راجعون.
كان وجهه شاحبًا، وعيناه تتجنبان عينيَّ، حتى بدا وكأنه يخشى أن ينقل لي المزيد من ثقل الخبر.
ثم قال وهو يبلع ريقه:
– ابنته تطلبك… بإلحاح.
– أنا؟ لماذا؟
– لا أعلم، لكنها مُصرّة… وكأنها لا ترى في هذا المكان سواك.
قابلتُ ابنته.
كانت في مكتبه، غارقةً وسط أكوامٍ من الأوراق والتقارير المتشابكة.
لم يكن الحزن وحده مرسومًا على ملامحها، بل ثقلٌ لا يليق بكتفيها النحيلتين.
بدت خائفةً، تائهة، ضئيلةً أمام هذا المكتب العريض كأنما صُنع ليبتلعها.
قالت بنبرة مترددة:
– سمعتُ والدي يذكرك كثيرًا.
لم يكن من أولئك الذين يُفصحون، لكنه كان يعود إليك... مرارًا.
قلتُ وأنا أتحاشى النظر في عينيها:
– لكنه لم يُحدّثني بشيء قط.
قالت بهدوء يشبه الاعتراف:
– بل قال... أكثر مما تتصوّر.
ثم ناولتني ظرفًا مغلقًا، بداخله ورقة كُتبت بخطّ يده:
«نديم عبد الرؤوف الشناوي...
ابنُ عائلةٍ عريقة، لكنّ الزمان نَكَث بهم.
كان جدّه باشا، غير أن والده بدّد كل شيء وأفلس.
عنيد.
نقيّ.
متمرّد.
يكرهني... وهذا حسن.
لا أثق بمَن يُحبّ رؤساءه.
يصلح.»
قلتُ، وقد تجمّدت الكلمات على شفتيّ:
– أكان يعلم... كل شيء؟
قالت، وعيناها لا تفارقاني:
– كان يعرفك أكثر مما تعرف نفسك.
---

المكان والميراث

بعد أيام، رأيتها تدخل عليّ مجددًا.
قالت:
– كان يقول إنك لا تشبههم.
– من «هم»؟
– من حوله.. الناس الذين لا يرون إلا أنفسهم في المرايا.
– وأنا؟
– أنت... تنظر خارج المرآة.
ثم سألتني بصوت خافت:
– هل كنت تخاف منه؟
قلت:
– نعم. كان... يخيفني كما يخيف الجبل الواقف في وجه الريح.

قالت وهي تضحك بخفة:
– غريب... وأنا كنت أشعر بالأمان عندما يصمت.
قلت:
– وربما هذا هو الحب... أن يخيفك ويؤمِّنك في اللحظة نفسها.
نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت:
– نديم... أنت أيضًا... أحيانًا أراك وأخاف.

استلمت المنصب التنفيذي.
فوجئت بأن الشركة محاصَرة بالخسائر.
استدعاني المدير المالي:
– همام بك كان كثيرا ما يغطي العجز من حسابه الشخصي.
يرفض تسريح أي عامل.
قال لي مرة: «الناس دي... أهلي.»

دخلت جناحه يومًا، ووجدت دفترًا صغيرًا.
أسماء موظفين. مشاكلهم.
أسماء أولادهم. أقساط مدارسهم. أدوية زوجاتهم.
وفي آخر صفحة:
«هو يكرهني… لكن قلبه صاحٍ.
لذلك… يستحق أن يحمل الحمل.»
ومع الوقت، صار الصمت لغتي.
والوقوف بلا انحناء طبيعتي.
وصار بعضهم يخافني.
وكنت أرتجف… من نفسي.

---

العزاء

في تلك الليلة...
وجدتُني في قاعة عزاء.
الأنوار خافتة، والوجوه جامدة، والعطر كثيف كالموت.
كان همّام واقفًا هناك، ممسكًا بعصاه، يحدّق في الفراغ.
لم يكن ميتًا... لكنه لم يكن حيًّا أيضًا.
كأنه يأخذ عزاءه بيده، يستقبل المُعزّين، وأنا إلى جواره، أسير صامتًا وأصافح الناس.
لم يقل شيئًا.
رفع عينيه إليّ.
نظرة واحدة فقط...
لكنها اخترقتني.
كأنما سلّمني شيئًا لا يُقال.

كان حلمًا؟
ربما.
لكنه حتما ليس مجرّد حلم عادي.

---
العصا... وابنة صاحب العصا


دعوت مجلس الإدارة.
قلت بثبات:
– نعم، نحن في أزمة...
لكننا لن نبيع الشركة،
ولن نُطرد أحدًا.
سنبدأ من جديد.
عند خروجي من الاجتماع، وجدتها واقفة في الاستقبال.
وجهها يحمل ملامح والدها، لكن عينيها أكثر دفئًا.
قالت بابتسامة حزينة:
– أبي ترك لي كل شيء…
وتركك أيضًا.
نظرتُ إلى العصا في يدي...
كانت أثقل مما تخيّلت.
ليست عصًا... بل ميراث من الصمت، والحزم، والألم.
أمانة مشبعة بظلال رجل لم أفهمه إلا بعد غيابه.
همست:
– العصا فقط.
فابتسمت ابتسامة هادئة، وقالت:
– العصا... وابنة صاحب العصا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...