إبراهيم حالي - نشيد الضوء المصلوب...

كانت قديسة
رأيتُها في الكُرِيّ
تفتّش عنّا…
تُسرّج خيولها وتمضي،
وحيدةً
في عراء الآلام.

في كومة العتمة،
كانت تسبح ضدّ التيار،
في أنهارٍ من الدماء،
كأنها نُحِتَت بالطعنات،
وفي قلبها
من الفقد ألفُ عام.

رأيتُها
تخيط جراح الأرض
بإبرٍ من صبر،
وخيوطٍ من رماد الرفات،
وترمّم خرائط الروح
بنزيفٍ لا يُرى،
تعجن الحلم بالطين والدم،
وتبنيه بالعظام.

كانت تنسج مصابيح الفجر
بأصابعَ احترقت،
وتغزل من خيوط الشمس
دروبًا للسلام.

تحلم بفجرٍ
يُنثر فيه فرحُ اليتامى
على الأرصفة الباردة،
ويتنفّس الهواءُ
اسمها من جديد.

كانت تنحت الحب
قبل أن يُخلق الكلام،
تُصلّي في كل حين،
تركع بعد التضحيات،
وتسجد…
قبل القيام.

تحمل الوطن في قلبها
كما تحمل الأمهات أولادهن
في ليالي النزوح،
وهي تهمس للظلام:
لا تخف.

قبل أن ينسلّ من صباحها البزوغ،
ويخذلها الشروق،
كانت ترقص على إيقاع الانتصار،
وتنظم سُبحة الوطن
بألوان الطيف،
وصبر الأنبياء.

كانت تُصلّي،
تركع،
وتسجد،
كأنها مئذنة لا تنحني،
وحنجرة لا ترتجف
في تلاوة النور،
كأنها أجراس كنائس
تنشد مزامير الوئام.

لكن.
سرقت العتمةُ البريقَ من عينيها،
وجفَّ وضوؤها،
وغاب إبريقها،
ونهبها الظلمة الظلامُ


وعلى مرأى من السماء،
سالَت عقودٌ من الدماء،
وأُطلقت خيول التحرير
دون لجام.

وقبل أن يُرتَقَ فتقُها
بأيدٍ لئيمة،
أقسمت:
النور آتٍ،
والحب لا يموت،
حتى لو اغتاله الذين من صُلبها،
الذين أنشدوا الوئام
في الكنائس،
وخشعوا في المساجد،
وصلّوا…
قبل الإمام.

لكنهم كانوا كذبة خدعةٌ،
وكانوا شِلّة من اللئام،
تربّعوا على عرش الرماد،
وسكنوا القصور،
وأسكنوا أرواحنا القبور،
والزنازين،
وفي الشتات،
وفي الخيام
التي تسرّب منها الوطن
قطرة
قطرة.

إبراهيم حالي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...