إبراهيم محمود - الضباع... قصة



براحة يده كان يمسح التراب عن صخرة نصفها مغروز في الأرض، ونصفها العريض كواجهة لوح كتابة، يظهر للعيان، ظهرت خطوط متداخلة ومحفورة بعد إزالة الغبار عنها. ماسح الغبار كان في عمره الثلاثيني ، موفور الصحة.



طباعة فنية لضبعين موقعة للفنانة هينا لوينا

اقترب منه أحد الضباع المنتشرة في الجوار:
-جئت تقتفي خطى أجدادك؟
استمر في تمرير راحة يده على الوجه العاري للصخرة، رغم أنه بدا نظيفاً:
-كيف يكون لحياتنا معنى، دون السؤال عن تاريخنا، وتاريخنا محفور هنا؟
كان الضبع يحرّك رأسه، وكأنه يشم شيئاً ما:
-أي تاريخ هذا الذي أنهيتم به أنفسكم؟
ابتسم الثلاثيني بسخرية:
-أنتم لا تلامون يا ضباع، ليس لديكم أي شعور بما نشعر به .
ضرب الضبع الأرض بإحدى قائمتيه الخلفيتين:
-بم ينفعكم قبر كهذا، إذا كان يشدكم إليه، وفيه مأساتكم؟
اقترب ضبع آخر، أكبر حجماً من الأول:
-أشم فيه رائحة دماء أجداده الذين كانوا هنا. أيريد أن ينتهي هو بدوره مثلهم ؟
التفت إليه الثلاثيني:
-ها قد عرفت، إنما لكي نبدأ من هنا .
جاء ضبع ثالث على وقع صدى الحوار الذي كان يجري، وقال:
لقد تعايشنا وإياهم في هذا المكان متجاورين، ودخلنا في حروب. قتلنا من بعضنا بعضاً كثيراً، إنما ما قتلوه من بعضهم البعض كان أكثر مما قتلوه منا، فأي مفخرة في مثل هؤلاء ؟
علَّق الثلاثيني وعيناه مركزتان على الخطوط المحفورة في الصخرة:
-ليس لديكم أدنى فكرة عن الحساب، أنتم لا تاريخ لكم .
أدار ضبع كبير رأسه، وهو يشمشم ما حوله، وماسحاً وجوه الضباع ممن حوله، وقال:
-هذه الطبيعة الممتدة في اللاتناهي، علّمتنا كثيراً، نمضي إلى الأمام دائماً، وغريزتنا الضبعية تحمينا في وحدة اسمنا، من يموت منا، تتوقف حياته، ونمضي حياتنا دون تعقيدات مثلكم، وأنتم تبكون موتاكم، وتسخرون الكثير من حياتكم من أجلهم، لتخسروا الكثير من متع الحياة المطلوبة.
بحركة رأسية لفت ضبع قريب أنظار الآخرين إلى الثلاثيني قائلاً:
-ويحمل سلاحاً، وهو كاف على إدانته بأنه يغلّب موت من ماتوا على حياة تعنيه دون أن يقدّرها ..
خاطبه الضبع الأول:
-ننصحك بالتخلص من هذا السلاح، أنت تقرر مصيرك المحتوم بنفسك !
نظر إليه الثلاثيني وهو يمرر يده على مسدسه المشدود إلى خصره:
-إنه للحماية من أي عدوان !
برز ضبع كبير من الوسط، وهو يحدق فيه، ثم نظر إلى من حوله:
-دعوه وشأنه، هو كغيره، هذا العنت كان مبعث هلاك كثيرين من أمثاله .
نظر إليهم الثلاثيني، وشملهم بنظرة أخيرة، وقال قبل أن يسلك طريقه الذي جاء منه:
-بعد أن عرفت كل شيء، سوف أرجع ، وأعيد تاريخ أجدادي !
تحرك بخطى موزونة!
كأن آخر ما قاله له كبير الضباع:
-يقينك هذا مشكوك فيه. ننصحك بالتروّي .
تابع الثلاثيني طريقه، والضباع تنظر إليه، وتتبادل النظرات فيما بينها.
من على مسافة قريبة، سُمِع أزير رصاصة، انطلق من مكان مجاور، كان له دوي، اهتزت له مؤخرات الضباع، حيث وقع الثلاثيني أرضاً.
علَّق كبير الضباع ، وهو بقائمتيه الأماميتين، يحفر الأرض:
-غبي غبي ..!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...