حسن جلنبو - آخر وصايا الثقفي...

"إذا متُّ فادفنِّي إلى أصلِ كرمةٍ".

كرمتَها أعني..
داليةَ الشوق المتدلّيةَ قطوفا من شهدٍ
ورحيق
داليةَ الصيفِ الكانت تقترفُ الظلَّ نهارا
كي نجد مكانا نتبادلُ فيه أحاديث الشوق
ونستبدلُ فيه الأسماءَ
بألقابٍ مُغرقةٍ في العِطرْ
ويراودُ كلٌّ منّا الآخرَ عن عينيه
ويُبحرُ في شفتيه طويلا حتى يثملْ
"لا تدفِننِّي بالفلاة"
ادفنّي في حاكورتنا
في فيء التوتْ
يعجبني أن يغمرني ورق التوت
أن تتقاطر فوقي كالعسل الحبّاتُ
الساقطةُ مع الفجرْ
ما زلتُ أفتش منذ سنينْ
عن حبّة توتْ
عن ورقةِ توتْ
تسترني حين يوسّدني صحبي
في التابوتْ
ادفنّي… حين أموتُ
قريبا من شجر السرو الـ كان
يظلّلُ صيفًا نافذتي
أو قرب الشاطئ
حيث يعود النورسُ كل مساء يبحث عن أشرعة
الشوق العائدةِ
من الأمسْ
فأنا والبحر على ميعادْ
يعشقني البحر وأعشقهُ
يخبرني بحكايا الصيادينَ
وأسرارِ العشاق
يحكي لي عن قصص البحارةِ
حين يعودون حيارى من رحلتهم
حين يُعيدون إلى الشاطئ سربَ نوارس تتبعهم
حين يضيقُ البحرُ
بقصّتهم
يُخبرني البحرُ بأني سوف أظلّ غريبا
وأموت غريبا
وسأُبعثُ وحدي، حين يُنادى:
أين الغرباءُ؟
غريبا.
ادفنّي في الغربةِ
كي أستشرف عن بُعدٍ وطني ال عشتُ غريبا عنه
سنينَ طوال
فأنا ما زلت أراه كما كانْ
"خُذاني فجُرّاني بثوبي إليكما"
في الغربة…
تختلف النظرةُ للأوطانْ
في الغربة…
تتعلقُ بالوهم
وترسمُ وطنا أسطوريا
بعصاً سحريّةْ
سيهشُّ على عينيك فتبصرُ
بعد طويلِ عمىً
ويهشُّ على أضلاعك فتفتّحُ فيها بعد البؤس
الأزهار
ويهشّ عليك
فتنسى أنك عشتَ غريبا
فتعودُ إليه كما عادت
قبل رحيل الشمس
الأطيارْ
ادفنّي في البحرِ
لعلّي حين يعودُ الموجُ أعودُ
فيرسو العمرُ على شاطئه
وتُرحّبُ بالطيرِ الأوكارْ

حسن جلنبو
أبوظبي 08 / 01 / 2021.



* من ديوان آنست شعرا الفائز بجائزة المرحوم عاطف الفراية


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...