بهاء المري - مرآة معكوسة...

كان لانتشار كتابها وقعٌ يشبه تصدُّعَ صمتٍ قديم. كأنَّ جليدًا انساح ‏من أعالي الهيمالايا، فانشقَّت الصخور، وتردَّد رجعُها في كل بيت. لم يَعد ‏الخبر مقتصرًا على المجلات والصحف وبرامج "التوك شو"، بل صار ‏جزءًا من الأحاديث اليومية، كما لو أنَّ الناس وجدوا في كلماتها مرآةً تميل ‏وتُشوّه وتُرِي الحقيقة في آن.‏
كان عنوان الكتاب وحده كافيًا ليشعل الأسئلة: "كيف تُحافظين على ‏بيتك؟"، عنوانٌ يُضمر وصايا لا تُحصى، ويُلمّح إلى ما هو أكثر من مجرّد ‏نصائح لربّات البيوت.‏
عرفتها في زمنٍ مضى، حين كنّا صديقين، جمعتنا الكلماتُ وفرقنا ‏الغياب. طرق بابها الشعرُ ذات مساء، فأصدرت ديوانين لم يتجاوزا دفء ‏الصداقات القريبة، ثم شدّت الرحال للعمل خارج مصر، وغابت كما تغيب ‏سطور من مخطوطةٍ لم تكتمل.
لم أسمع عنها شيئًا حتى عادت فجأة، لا ‏بصفتها الشاعرة التي عرفنا، بل بصوتٍ مختلف، حاسمٍ، يمسك بيد القراء ‏ليعلّمهم: كيف يُدار البيت؟
أثارني التحوُّل؛ من دفء القصائد إلى صرامة النظريات. وكنت قد ‏قرأت تعليقاتٍ متباينة حول الكتاب، بين مُصفّق ومُهاجم، وبينهما من راح ‏يتساءل ساخرًا: هل نُصدّق مَن يكتب ما لا يؤمن به؟ وهل يصحُّ أن يلبس ‏الكاتب مسوح الرهبان وداخله ينهش كوحشٍ لا يُروى؟
هاتفْتُها أبارك. بدا صوتها مزيجًا من المفاجأة والامتنان. دعتني - بلا ‏تردد - لإدارة ندوة مرتقبة حول الكتاب. قبلت الدعوة. أردت أن أراها عن ‏قرب، أن أقرأها من جديد.‏
كانت القاعة فاخرة، واسعة كنَفَسِ المشهد، مزدحمة بشكلٍ لم ‏أتصوره. صورُها تتكرّر على الشاشة الخلفية، إلى جوار غلاف الكتاب، تحت ‏أضواء لا تعرف الرأفة ولا تخفي النوايا. صحفيون، مراسلون، كاميراتٌ ‏وأوراقٌ تتطاير فوق الطاولات.‏
تحدّثتُ أولًا، قدّمت موجزًا مهذبًا عن محتوى الكتاب. تلاه ضيفٌ ‏بكلمات مقتضبة، ثم فُتح الباب لأسئلة الجمهور.‏
الأسئلة لم تكن حيادية. كانت هجومية في أكثرها. اختلط النقد ‏بالغضب. عُرضت عليّ عشرات الأوراق المطوية كأنها رسائل احتجاجٍ من ‏زمنٍ عتيق. رتّبتها، قرأت، فكان أبرزها سؤالًا من امرأة في الأربعين، كتبت ‏بخطٍّ واضح وصوتٍ لا يهاب: "ماذا لو أنني لم أعد أطيق العيش مع ‏زوجي؟ هل يمنعني وجود أطفالي من حقي في الحرية؟ وماذا لو كنتِ ‏مكاني؟"‏
أشرتُ إليها لتُجيب. رأيت وجهها يبهت قليلًا. لم يكن التوتر خافيًا. ‏حين التقت عينانا، مرّ شريطٌ من زمنٍ قديم، حين كنّا نسعى أنا وآخرون - ‏لإقناعها بالتراجع عن قرار طلاقها من زوجها الأول. كان رجلًا يُريدها أُمًّا ‏متفرغة، وكانت هي تُريد القصيدة والعمل، وأن تسكن الصحافة كما تسكن ‏الحبر. يومها قالت بثقة: "لن يُجبرني أحد على ترك ما أحب، ولا أطفالي ‏سيكونون سجنًا لرغبتي. أليس الطلاق من شرائع الله؟"‏
لم ننجح. اختارت الحرية، وغادرته. تركت له الطفلين، ومضت. ‏وتكررت القصة مع زوجٍ ثانٍ، والآن ثالث، ومشكلات تُدار بصمتٍ أنيق ‏على الأغلفة فقط.‏
عادت من شرودها، أمسكت بالمايك، وقالت بصوتٍ مقطوع ‏النبض: "يجب التحمُّل... مهما كانت الأسباب."‏
أخذتُ الكلمة مجددًا. لم أترك السؤال يضيع. "لكن، ما زال الشقّ ‏الثاني قائمًا... ماذا لو كنتِ مكانها؟"‏
سرت همهمة في القاعة، همهمةٌ تُخفي سُخطًا أو ريبة. نظرت إليَّ، ‏بعينٍ تفتّش عن مأوى خلف نظارتها. كانت الكلمات تختبئ في حلقها، وفي ‏القلب تدوي إجابة لم تقلها. ثم قالت، بصوت خافت ولكن واضح: "لنقرأ ما في الكتاب"!!‏


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...