أنا عمّ وهبة.
عامل نزح آبار.
اسمي لا يُدوَّن في الأوراق الرسمية، ولا يُذكر في نشرات الأخبار، لكنك إن سألت عني في شارع العزب، في حيّ المندرة، أشاروا إلى أسفل، وقالوا:
"هناك، تحت الأرض، يعمل وهبة."
في كل بيت بئرٌ للصرف الصحي، حُفرت قديمًا قبل دخول المجاري العمومية.
ومع مرور الزمن، تختنق الآبار، وتفوح منها الرائحة، فينادونني.
أنزل... أفتح الغطاء... أزحف كما لو كنتُ ألج قبرًا له صوت.
لكل بئر رائحة...
ولكل بئر ذاكرة، وربما حكاية لم تُروَ.
كنت أسمع أحيانًا همساتٍ في القاع.
ليست ضربًا من الجنون، بل شيئًا يشبه الحكمة القديمة:
"ابقَ كما أنت... لا تتغيّر، الناس هم الذين تغيّروا."
كان ابني هاشم صغيرًا حين قال لي ذات مساء:
"أبي، رائحتك كريهة... لكنني أحبك."
ضحكت وضممته:
هذه رائحة العمل يا بُني.
لكنه كبر.
دخل كلية الطب.
تعلّم أسماء الجراثيم، والمواد الطيّارة، والعطور التي تُخفي رائحة العرق والكدح.
تبدّلت نبرته، وجلسته، ونظرته... تبدّل كلُّ شيء فيه.
في حجرته زجاجات عطرٍ فرنسي، وفي كل زاوية عبيرٌ متأنّق.
حتى جلده صار يرفضني.
كنت أشعر أنه يغتسل منّي كلما رآني.
وحين تخرّج، وفي عيادته التي اشتريتها له بمالي، قال كمن ينطق بحُكم:
"أبي... أنا الآن طبيب، لديّ مرضى... لا يليق أن يُقال إن والدي كان ينظّف المجاري."
نظرت إليه طويلًا، ثم قلت بهدوء:
"من وسخ الناس أطعمتك، ومن عرقي كسوتك. أنت طبيب بفضلي، لا رغماً عني."
كنتُ وصمةً في عينيه.
رفضت أن أعيش في بيته الجديد بحي لوران الراقي.
الشجرة لا تتكئ على ثمارها.
تزوّج، وأنجب، وغاب.
كأنّه يغتسل من ذاكرتي، كما يُغسل الجسد من الطين.
كنت أجلس صامتًا أمام أمه — تلك المرأة التي تعرف كل شيء، ولا تُعلّق.
قلت لها ذات مساء، وصوتي مكسور:
"ابنك يخجل مني."
نظرت إليّ بعينين فيهما ألفُ معنى، ثم قالت:
"هو لا يخاف منك... بل يخاف عليك. يريد أن يُريحك... ويُنقذك من قسوة هذه المهنة."
سكتُّ، ثم همستُ كمن يتبرأ من ألمٍ ثقيل:
"أنا لستُ البئر... أنا من يُطهّره."
قالت بعد صمت طويل:
"هاشم خائف... الدنيا صعبة، والناس لا ترحم."
قلت:
"يريد أن يصعد... حتى لو أنكر الأصل."
***
وقف هاشم أمام بيت أبيه.
تردّد... لم يطرقه أول مرة، وكأن يده ترتجف كلما صافحت ذاكرته.
ثم طرق الباب.
فتح وهبة الباب ببطء.
نظر إليه طويلًا.
لم يتكلم.
تراجع خطوة، ثم دخل.
تبعه هاشم.
جلسا.
قال وهبة، بصوت هادئ كالنزف:
"لا تزال الرائحة تؤذيك؟"
رفع هاشم رأسه بحدّة، وقال بصوتٍ اختلط فيه الغضب بالارتباك:
"إذا كنت تعمل لأجل المال، فالمال معي كثير، وهو مالك قبل أن يكون مالي.
أنت لك الفضل في كل ما أنا فيه... اطلب مني أي شيء، سأحضره لك.
حان الوقت لترتاح وتستمتع بما تبقى لك من حياتك.
أبي، إن ما تفعله خطر... أنت تُعرّض نفسك للتلوث كل يوم... المكان الذي تنزل فيه موبوء.
أنا طبيب... أُعالج الأمراض، لا أعيش فيها."
اقترب وهبة قليلًا، ثم قال بابتسامة شاحبة:
"وأنا أمنعها عنك... أُبعد عنك وعنهم هذا الوباء.
أنا لا أُنتج المرض... بل أستخرجه من الجدران، والأرض."
صمت، ثم تأمّله طويلًا، كأنّه يبحث عن وجهٍ قديم خلف الملامح:
"هاشم... هل تخاف عليّ فعلاً؟
أم تخاف أن يراك الناس بقربي؟"
هاشم أطرق رأسه، فشاهد في طرف معطفه بقعةً صغيرة من الوحل القديم.
انقبض وجهه كمن يشمّ رائحةً من طفولةٍ لم يعد يطيقها.
همس، كأن الكلمات خرجت منه رغماً عنه:
أنا لا أتحمّل أن يشير الناس إليّ ويقولوا: هذا ابن نازح الأبيار.
أنا طبيب... صوري على الجدران، مرضاي من علية القوم... هذا العالم لا يرحم، يا أبي."
فقال وهبة بهدوء الجبل:
"وهل رحمك العطر الفرنسي؟ هل حماك من خوفي؟
أنت خائف من أن تُشبهني...
مع أنك أنا، ولو أنك لبست ألفَ قناع."
ثم أكمل بصوتٍ أشبه بالهمس:
"وهذه مهنة أبي... وجدّودي
نحن نطهّر الأرض... ونحفظ للناس بيوتهم.
لم يكن ذلك عيبًا يومًا، بل شرفًا."
***
في بيت هاشم، جلست زوجته أمام المرآة، تضع العطر على عنقها.
حين دخل، سألته بهدوء:
"زرتَ والدك؟"
قال:
"نعم."
قالت، وهي تُعدّل شالها:
"إلى متى ستظل تعاني بسببه؟
الناس لا تنسى، والرائحة تسبق الاسم."
قال:
"أبي ليس قذرًا... لقد حملنا جميعًا."
قالت، وهي تبتسم بسخرية باردة:
"تخشى عليه؟ أم تخشى منه؟"
***
دخل هاشم على أمه.
قالت، وهي تُسقي الزرع:
"عدت؟"
قال:
"هو السبب في بُعدي."
قالت دون أن تلتفت:
"وهو يقول لكل من يقابله: (ابني طبيب كبير)."
ثم أضافت، وهي تُخفي دمعة:
"أنت تخجل منه... وهو يفتخر بك."
***
في المستشفى، جلس هاشم يراجع ملفات المرضى.
فاحت من داخله رائحة غريبة... لا تشبه أي شيء.
ليست عرقًا، ولا دواءً...
طلب تغيير الغرفة.
ثم القميص.
ثم غيّر الملاءة.
لكن الرائحة ظلت في أنفه.
في طريقه إلى شارع العزب، توقّف أمام البيت القديم.
لم يطرق الباب.
اقترب من البئر.
وسمع داخله صدى خافتًا:
"تلك ليست رائحة القذارة... بل رائحة الأصل.
رائحتك، ورائحة أبيك، وجدّك."
ثم سمع، همسةً قديمة:
لكل بئر رائحة...
ولكل بئر ذاكرة، وربما حكاية لم تُروَ.
عامل نزح آبار.
اسمي لا يُدوَّن في الأوراق الرسمية، ولا يُذكر في نشرات الأخبار، لكنك إن سألت عني في شارع العزب، في حيّ المندرة، أشاروا إلى أسفل، وقالوا:
"هناك، تحت الأرض، يعمل وهبة."
في كل بيت بئرٌ للصرف الصحي، حُفرت قديمًا قبل دخول المجاري العمومية.
ومع مرور الزمن، تختنق الآبار، وتفوح منها الرائحة، فينادونني.
أنزل... أفتح الغطاء... أزحف كما لو كنتُ ألج قبرًا له صوت.
لكل بئر رائحة...
ولكل بئر ذاكرة، وربما حكاية لم تُروَ.
كنت أسمع أحيانًا همساتٍ في القاع.
ليست ضربًا من الجنون، بل شيئًا يشبه الحكمة القديمة:
"ابقَ كما أنت... لا تتغيّر، الناس هم الذين تغيّروا."
كان ابني هاشم صغيرًا حين قال لي ذات مساء:
"أبي، رائحتك كريهة... لكنني أحبك."
ضحكت وضممته:
هذه رائحة العمل يا بُني.
لكنه كبر.
دخل كلية الطب.
تعلّم أسماء الجراثيم، والمواد الطيّارة، والعطور التي تُخفي رائحة العرق والكدح.
تبدّلت نبرته، وجلسته، ونظرته... تبدّل كلُّ شيء فيه.
في حجرته زجاجات عطرٍ فرنسي، وفي كل زاوية عبيرٌ متأنّق.
حتى جلده صار يرفضني.
كنت أشعر أنه يغتسل منّي كلما رآني.
وحين تخرّج، وفي عيادته التي اشتريتها له بمالي، قال كمن ينطق بحُكم:
"أبي... أنا الآن طبيب، لديّ مرضى... لا يليق أن يُقال إن والدي كان ينظّف المجاري."
نظرت إليه طويلًا، ثم قلت بهدوء:
"من وسخ الناس أطعمتك، ومن عرقي كسوتك. أنت طبيب بفضلي، لا رغماً عني."
كنتُ وصمةً في عينيه.
رفضت أن أعيش في بيته الجديد بحي لوران الراقي.
الشجرة لا تتكئ على ثمارها.
تزوّج، وأنجب، وغاب.
كأنّه يغتسل من ذاكرتي، كما يُغسل الجسد من الطين.
كنت أجلس صامتًا أمام أمه — تلك المرأة التي تعرف كل شيء، ولا تُعلّق.
قلت لها ذات مساء، وصوتي مكسور:
"ابنك يخجل مني."
نظرت إليّ بعينين فيهما ألفُ معنى، ثم قالت:
"هو لا يخاف منك... بل يخاف عليك. يريد أن يُريحك... ويُنقذك من قسوة هذه المهنة."
سكتُّ، ثم همستُ كمن يتبرأ من ألمٍ ثقيل:
"أنا لستُ البئر... أنا من يُطهّره."
قالت بعد صمت طويل:
"هاشم خائف... الدنيا صعبة، والناس لا ترحم."
قلت:
"يريد أن يصعد... حتى لو أنكر الأصل."
***
وقف هاشم أمام بيت أبيه.
تردّد... لم يطرقه أول مرة، وكأن يده ترتجف كلما صافحت ذاكرته.
ثم طرق الباب.
فتح وهبة الباب ببطء.
نظر إليه طويلًا.
لم يتكلم.
تراجع خطوة، ثم دخل.
تبعه هاشم.
جلسا.
قال وهبة، بصوت هادئ كالنزف:
"لا تزال الرائحة تؤذيك؟"
رفع هاشم رأسه بحدّة، وقال بصوتٍ اختلط فيه الغضب بالارتباك:
"إذا كنت تعمل لأجل المال، فالمال معي كثير، وهو مالك قبل أن يكون مالي.
أنت لك الفضل في كل ما أنا فيه... اطلب مني أي شيء، سأحضره لك.
حان الوقت لترتاح وتستمتع بما تبقى لك من حياتك.
أبي، إن ما تفعله خطر... أنت تُعرّض نفسك للتلوث كل يوم... المكان الذي تنزل فيه موبوء.
أنا طبيب... أُعالج الأمراض، لا أعيش فيها."
اقترب وهبة قليلًا، ثم قال بابتسامة شاحبة:
"وأنا أمنعها عنك... أُبعد عنك وعنهم هذا الوباء.
أنا لا أُنتج المرض... بل أستخرجه من الجدران، والأرض."
صمت، ثم تأمّله طويلًا، كأنّه يبحث عن وجهٍ قديم خلف الملامح:
"هاشم... هل تخاف عليّ فعلاً؟
أم تخاف أن يراك الناس بقربي؟"
هاشم أطرق رأسه، فشاهد في طرف معطفه بقعةً صغيرة من الوحل القديم.
انقبض وجهه كمن يشمّ رائحةً من طفولةٍ لم يعد يطيقها.
همس، كأن الكلمات خرجت منه رغماً عنه:
أنا لا أتحمّل أن يشير الناس إليّ ويقولوا: هذا ابن نازح الأبيار.
أنا طبيب... صوري على الجدران، مرضاي من علية القوم... هذا العالم لا يرحم، يا أبي."
فقال وهبة بهدوء الجبل:
"وهل رحمك العطر الفرنسي؟ هل حماك من خوفي؟
أنت خائف من أن تُشبهني...
مع أنك أنا، ولو أنك لبست ألفَ قناع."
ثم أكمل بصوتٍ أشبه بالهمس:
"وهذه مهنة أبي... وجدّودي
نحن نطهّر الأرض... ونحفظ للناس بيوتهم.
لم يكن ذلك عيبًا يومًا، بل شرفًا."
***
في بيت هاشم، جلست زوجته أمام المرآة، تضع العطر على عنقها.
حين دخل، سألته بهدوء:
"زرتَ والدك؟"
قال:
"نعم."
قالت، وهي تُعدّل شالها:
"إلى متى ستظل تعاني بسببه؟
الناس لا تنسى، والرائحة تسبق الاسم."
قال:
"أبي ليس قذرًا... لقد حملنا جميعًا."
قالت، وهي تبتسم بسخرية باردة:
"تخشى عليه؟ أم تخشى منه؟"
***
دخل هاشم على أمه.
قالت، وهي تُسقي الزرع:
"عدت؟"
قال:
"هو السبب في بُعدي."
قالت دون أن تلتفت:
"وهو يقول لكل من يقابله: (ابني طبيب كبير)."
ثم أضافت، وهي تُخفي دمعة:
"أنت تخجل منه... وهو يفتخر بك."
***
في المستشفى، جلس هاشم يراجع ملفات المرضى.
فاحت من داخله رائحة غريبة... لا تشبه أي شيء.
ليست عرقًا، ولا دواءً...
طلب تغيير الغرفة.
ثم القميص.
ثم غيّر الملاءة.
لكن الرائحة ظلت في أنفه.
في طريقه إلى شارع العزب، توقّف أمام البيت القديم.
لم يطرق الباب.
اقترب من البئر.
وسمع داخله صدى خافتًا:
"تلك ليست رائحة القذارة... بل رائحة الأصل.
رائحتك، ورائحة أبيك، وجدّك."
ثم سمع، همسةً قديمة:
لكل بئر رائحة...
ولكل بئر ذاكرة، وربما حكاية لم تُروَ.