إبراهيم محمود - أبي شهريار... قصة



لطالما كنت، ولم أزل مفتخراً بأبي شهريار. كيف لا أفتخر به، وهو ملك زمانه، وملك الرجال الذين يعرفون عنه أكثر مما يعرفونه عن أنفسهم، في رجاحة عقله، وسياسته مع النساء، ودمه يجري في عروقي؟ وإذا كنت أكنُّ الود والاحترام والتقدير لأمي شهرزاد، وأبرّها، كما أقدَّر خالتي دنيازاد، وكذلك، فإنني لا أخفي احترامي الكبير لجدي الوزير، سوى أن لأبي مكانة واعتباراً ومأثرة قيمة استثنائية.



لوحة فنية تمثّل شهريار


ولأكن صادقاً هنا، حين أشير إلى علاقة أبي مع النساء، وكيف اقتص منهن، بحزم، بدءاً بزوجته الأولى التي خانته، وهي في نعيمه، وأن سيرته مع أمي شهرزاد، وحكايات ألف ليلة وليلة التي روتها أمي له، لتنال تلك الحظوة الخاصة لديه، وتكسب عفوه، وتكون زوجته، كان لها تأثير كبير علي، حيث إنني حفظتها عن ظهر قلب، واحتفظت بنسخة خاصة، عن طريق ورّاق خاص، حيث لا تمر ليلة، إلا ويكون لي معها حوار، واستئناس بها، وتحليق بالخيال في عالم البشر والجان، في الواقع وغرائبه.
تأثرت كثيراً بأبي في طبيعة تعامله مع النساء، كما قلت، وإلى الآن، وجرّاء إعجابي الكبير به، ودهائه، كنت أحاول نيل إعجابه، أن أكون المثال الأبرز في حقيقة مقولة " هذا الوالد من ذاك الوالد "، وهو ما حاولت تطبيقه في علاقتي مع زوجتي التي لم تدم، ولم أتزوج بعدها لهذا السبب.
لقد كنت أراقبها، مقتدياً بأبي. أحببتها كثيراً. كانت بارعة الجمال، قوامها عصي على الوصف، وهذا الجمال كان يحرّك داخلي مشاعر وهواجس تدقع بي لأن أكون أكثر يقظة، فلا أكثر من الحالات التي يصبح فيها جمال المرأة مصدر هلاك لها.التجارب تعلّم!
وقد تمكنت ذات يوم، وفي لحظة لم تتنبه لها، من ضبطها، وهي تتفرج على يوتوبيات، وفيها الكثير من مشاهد المجون والخلاعة، وعثرت في واتسابها على أسماء مشبوهة، أكدت لي، ومن خلال متابعة ومساءلة، عن أنها تقيم علاقات مع آخرين، رغم أنني وفّرت لها كل أسباب السعادة، وهناءة العيش، كيف لي، وأنا ابن ملك، وما نملكه من المال والممتلكات، ومن يخدموننا من خدم وحشم وحراس يتحدى كل حساب.
تذكرت في الحال أبي وكيف تعامل مع زوجته الأولى، ورددت في نفسي: حقاً إن المرأة هي هكذا، يستحيل الأمان معها.
عاقبتها بطريقة مختلفة، حولتها إلى أجزاء، وأحرقتها، ونثرت رمادها في مجرور قريب لقصرنا المالكي، وقد نال جزاءها.
بعد أن انتهيت من كل ذلك، اطلعت أبي على ما جرى معي. ما كان منه إلا طبطب على كتفي، واحتضنني، وهو يقول:
-حقاً أنت من صُلبي، وتستحق أن تحمل اسمي، وأشدد على جرأتك وجسارتك ورباطة جأشك..سوى أنك نسيت شيئاً مهماً جداً.
فتحت عيني على وسعهما، وأنا أنظر إليه، في انتظار ما تشوقت إلى سماعه:
-بنيّ..طريقة تعاملك مع الخائنة زوجتك أنهيتها سريعاً، لا أسهل منها، وأنت تستخدم يديك في الذي خططتَ له.. بينما التأثير الأكبر هو في كيفية إطالة المدة، مدة الانتقام، واستمرار التأثير، وجعل فعل القتل الذي تقوم به جلاب مديح لك عبر العصور..انظر، كيف تصرفت مع أمك شهرزاد! لقد جعلتها تتكلم على امتداد ألف ليلة وليلة، وفي كل حكاية، إشارة إلى ضعف المرأة، إلى خيانتها، إلى غوايتها وغرورها، بحيث يظن السامع والقارىء، أنها تروي حكاياتها، وتمليها علي، وكما تريد، والعكس هو الصحيح، لقد رغبتُ فيها وهي تروي تلك الحياة في الليالي تلك كلها، حيث ولدتكَ أنت وأخوين لك، وكلكم ذكور، وكأنها وبصوتها، وبلغتها، وهي من وضعي، تعترف بحقيقة المرأة. وهناك جهلة، ومخدوعون بها، بأنها تكلمت وكسبت الحياة، والصحيح هو أنها تكلمت لتثبت أن الرجل هو الذي يستحق أن يكون ولي أمرها.
لقد رحل أبي، سوى أن صوته لا يزال يتردد بصداه في أذني وروحي، ولكم كنت أتمنى أن أعثر على شهرزاد من نوع آخر، وهي تسرد علي حكايات بامتداد ليال تتناقلها أجيال البشر، وباللغات كافة، ليكون لي اسم معتبَر مثل أبي شهريار.. تلك كانت سقطتي !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...