إبراهيم محمود - داروين والقرد... قصة



لم يمض على رحيل تشارلز داروين، صاحب " أصل الأنواع " يوم واحد، حتى تم إخراجه من قبره بعملية هيتشكوكية بارعة، من قبل ثلاثة من القردة، وحملوه سريعاً، إلى حيث ينتظرهم كبيرهم.



مانا، بيني بوخالتر، 2021. أكريليك على قماش، 81 × 65 سم.


كان داروين غارقاً في نوم عميق، وتنبه على الجلبة الحادثة في المكان، وصدِم بما رآه:
-أين أنا؟ أهي القيامة؟ مؤكد أنا ميت؟ إنما من أنتم؟ قِرَدة؟
ثمَّ بصوت أكثر وضوحاً:
-هل أنتم حسْبة يوم القيامة ؟
سمع صوتاً قريباً منه:
-حسابك عسير يا دارين.. إنها قيامتنا عليك، قبل القيامة الأخرى ..
كان ذلك صوت كبير القردة وقد تصدر مجلساً كبيراً من القردة، وهم جالسون متكاتفين وعيونهم موزعة بين دارين وكبيرهم.
-ولكنني ميت، وانتهكتم حرمة قبري. فبأي حق تصرفتم هكذا؟
تبادلت القرود النظرات، ثم انتظرت رد الكبير.
-من الحق الذي منحته لنفسه يا داروين، وهو الحق الذي سمح ويسمح لنا في أن نقاضيك، وهو لا يموت بالتقادم..
مسح داروين المكان بناظريه، ثم نظر صوب كبير القردة، وهو يقول:
-وأي مقاضاة هذه التي تقولونها، وبأي حق ؟
-ابتسم كبير القردة ساخراً مما يسمع ، وقال:
-جنايتك كبيرة يا داروين. وأنت تتحدث عن أصل الأنواع، وقد نسَّبت بني جلدتك إلينا، وأنت منهم، وتلك أكبر جريمة في تاريخ الحقيقة ..
اضطرب داروين، وقال بصوت خفيض:
-تبيّن لي ذلك بعد فوات الأوان، ولم يعد في مقدوري تصويب هذا الخطأ القاتل.
وبعد صمت:
-ثم إن الحرب الشنعاء التي شُنَّت علي من قبل بني جلدتي، وتكفيري، والدعوة إلى قتلي، دليل على أنني أفكر خلافهم، وها أنتم بالمقابل، ولا يزال جسمي طرياً، تخرجونني من قبري، وتشنّعون فعلي...
-رد كبير القردة:
بسبب ما قلته وأثرته في كتابك، أصبحنا مهزلة على ألسنتكم، ونسِبت إلينا أقوال وأفعال لا شأن لنا بها..
ابتسم داروين:
-ورغم ذلك، فأنا حين خصصتكم بنظريتي، أصبحتم أكثر شهرة واهتماماً بكم من قبل الآخرين..!
قاطعه كبير القردة وهو يرفع يده:
-لا تعنينا الشهرة، وهي من ابتداعاتكم، ولا نريد أن نعرَف بغيرنا مثلكم أنتم، خلقنا قردة، ونريد أن نعيش قرداً، ونموت قردة، وليس أن يعكّر غيرنا علينا حياتَنا، ونوعنا في الحياة .
لم يرد داروين على ما سمعه، ثم أطرق وهو يفكر ملياً، وقد بدا عليه الوهن الشديد ..
خاطبه كبير القردة سائلاً:
-لم لا ترد، وتوضح موقفك؟
استقام داروين بصعوبة، وقال وعيناه مركّزتان عليه:
-لا نفع لجوابي، فما قلته، لم يعد في مقدوري أبداً، إجراء أي تغيير فيه..دع ذلك للتاريخ يا كبير القردة، وما يقوم به بنو جلدتي الآن، وربما لاحقاً، من فظائع الأعمال كاف لتأكيد عن أنكم بريئو الذمة من كل زعم تنسيب الإنسان إليكم..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...