في بيتٍ بلا دفء، ولا رحمة، تعيش الطفلة بسنت وأخواتها تحت بطش والدٍ عنيف، بعد أن تركتهم أمهم هربًا من قسوته. يمارس عليهن العنف الجسدي والنفسي بوحشية، حتى بلغ الأمر حدّ قتل إحداهن - بَسَنت - تحت وطأة التعذيب.
في زوايا هذا العالم، ما زال هناك أطفالٌ يخوضون معارك يومية من أجل البقاء، لا في ساحات الحروب، بل داخل منازلهم، وسط الخوف والعزلة والخذلان. يارا، الطفلة ذات الثلاثة عشر عامًا، لم تكن تتخيّل أنها ستنجو لتروي حكاية لم تكن مجرد مأساة، بل وثيقة إدانة لمجتمعٍ صمَت طويلًا، وتواطأ بالصمت والتجاهل.
حولهن، لا قانون تدخَّل، ولا جارٍ أبلغ، ولا صوتٍ اعترض. فقط عيونٌ صغيرة ترجو الرحمة... بلا مجيب.
بسَنت، الأخت الأصغر، طلبت شَربة ماء بعد حفلة تعذيب، فغَرِس في فمها خرطوم مياه وأجبرها على ابتلاعه حتى لفظت أنفاسها الأخيرة. يارا رأت كل شيء، ونجت، لا بحماية القانون، بل بالصدفة.
هذه الجريمة ليست حادثة فردية. بل صدى متكرر لكل حالات العنف الأُسَري المختبئة خلف جدران بيوتنا، حيث تُخنق الطفولة باسم "التربية"، و"الرجولة"، و"الستر على العائلة".
فلماذا يُعدّ الإبلاغ عن أبٍ عنيف خيانة؟ ولماذا يُتَّهم الطفل بالمبالغة، والمرأة بالتحريض، ويُقابل المجتمع بالمزيد من اللامبالاة؟
ديننا الحنيف لم يكن يومًا حليفًا للقسوة. قال رسول الله ﷺ: "من لا يَرحم لا يُرحم" (رواه البخاري ومسلم)، كما قال ﷺ: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" (رواه البخاري).
لكن يارا لم تكن وحدها. خلف كل جدار يشبه جدار منزلها، آلاف القصص المطمورة، وأرواح صغيرة تنام بعيونٍ مفتوحة، تخشى أن تستيقظ على صراخ أو صفعة أو تهديد. هذا المجتمع الذي ننتمي إليه، ما زال عاجزًا عن حماية أضعف حلقاته: الطفولة.
لا قوانين كافية، ولا وعي جمعي يدين العنف صراحة من دون تبرير. بل هناك تواطؤ ثقافي، وصمت موروث، وشعور زائف بأن الألم شأنٌ عائلي لا يحق لأحد التدخل فيه.
إنّ الصمت المجتمعي أمام هذه الجرائم لا يقلّ جُرمًا عن الفعل نفسه. فكل من سمع وسكت، أو رأى وتغاضى، شارك في خنق براءة الطفولة.
التربية لا تعني القسوة، بل تعني الحماية والاحتواء، وتعني بناء شخصية متزنة قادرة على الحب لا الخوف، على المواجهة لا الانكسار.
ولابد أن تتحول قضايا العنف الأُسري إلى قضية رأي عام، لا تحتمل التساهل. نحن بحاجة إلى أصوات مجتمع كامل تقول: "كفى". كفى تغاضيًا، كفى تبريرًا، كفى لومًا لمن يصرخ طلبًا للنجدة.
إن العدالة الحقيقية لا تُقاس بعدد القوانين، بل بعدد القلوب التي لم تعد تحتمل رؤية "بسَنت" أخرى تُدفن تحت الصمت.
فالطفولة التي تُدفن تحت الضرب، لا تُبعث بسهولة. وإن نجت الأجساد، تبقى الأرواح مثقوبة، تبحث عن دفء، وعن حب، وعن دعم نفسي لم تعرفه، وصوتٍ لم ينصفها.
لا يكفي أن يُسجن الجاني. بل لابد من إعادة بناء الطفل نفسيًا، اجتماعيًا، وتعليميًا... لأن الناجين من العنف لا يحتاجون فقط إلى الحياة، بل إلى معنى يستحق أن يُعاش.
استيقظت يارا في المستشفى، على وجه طبيب لا يصرخ. للمرة الأولى، سمعت كلمة "أمان"، وسقطت دمعة. لم تكن دمعة وجع… بل دمعة نجاة.
قد لا نُعيد لبَسنت حياتها، لكننا قادرون على منح غيرها مستقبلًا لا يُرسَم بالخوف. نحن مَدعوون للحديث، للإبلاغ، للحماية، للتربية الواعية، للمساءلة، للعدالة...
لأن الصمت جريمة، والجريمة لن تتوقف حتى تصبح الطفولة، بكل وجعها، أولوية وطن.
في زوايا هذا العالم، ما زال هناك أطفالٌ يخوضون معارك يومية من أجل البقاء، لا في ساحات الحروب، بل داخل منازلهم، وسط الخوف والعزلة والخذلان. يارا، الطفلة ذات الثلاثة عشر عامًا، لم تكن تتخيّل أنها ستنجو لتروي حكاية لم تكن مجرد مأساة، بل وثيقة إدانة لمجتمعٍ صمَت طويلًا، وتواطأ بالصمت والتجاهل.
حولهن، لا قانون تدخَّل، ولا جارٍ أبلغ، ولا صوتٍ اعترض. فقط عيونٌ صغيرة ترجو الرحمة... بلا مجيب.
بسَنت، الأخت الأصغر، طلبت شَربة ماء بعد حفلة تعذيب، فغَرِس في فمها خرطوم مياه وأجبرها على ابتلاعه حتى لفظت أنفاسها الأخيرة. يارا رأت كل شيء، ونجت، لا بحماية القانون، بل بالصدفة.
هذه الجريمة ليست حادثة فردية. بل صدى متكرر لكل حالات العنف الأُسَري المختبئة خلف جدران بيوتنا، حيث تُخنق الطفولة باسم "التربية"، و"الرجولة"، و"الستر على العائلة".
فلماذا يُعدّ الإبلاغ عن أبٍ عنيف خيانة؟ ولماذا يُتَّهم الطفل بالمبالغة، والمرأة بالتحريض، ويُقابل المجتمع بالمزيد من اللامبالاة؟
ديننا الحنيف لم يكن يومًا حليفًا للقسوة. قال رسول الله ﷺ: "من لا يَرحم لا يُرحم" (رواه البخاري ومسلم)، كما قال ﷺ: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" (رواه البخاري).
لكن يارا لم تكن وحدها. خلف كل جدار يشبه جدار منزلها، آلاف القصص المطمورة، وأرواح صغيرة تنام بعيونٍ مفتوحة، تخشى أن تستيقظ على صراخ أو صفعة أو تهديد. هذا المجتمع الذي ننتمي إليه، ما زال عاجزًا عن حماية أضعف حلقاته: الطفولة.
لا قوانين كافية، ولا وعي جمعي يدين العنف صراحة من دون تبرير. بل هناك تواطؤ ثقافي، وصمت موروث، وشعور زائف بأن الألم شأنٌ عائلي لا يحق لأحد التدخل فيه.
إنّ الصمت المجتمعي أمام هذه الجرائم لا يقلّ جُرمًا عن الفعل نفسه. فكل من سمع وسكت، أو رأى وتغاضى، شارك في خنق براءة الطفولة.
التربية لا تعني القسوة، بل تعني الحماية والاحتواء، وتعني بناء شخصية متزنة قادرة على الحب لا الخوف، على المواجهة لا الانكسار.
ولابد أن تتحول قضايا العنف الأُسري إلى قضية رأي عام، لا تحتمل التساهل. نحن بحاجة إلى أصوات مجتمع كامل تقول: "كفى". كفى تغاضيًا، كفى تبريرًا، كفى لومًا لمن يصرخ طلبًا للنجدة.
إن العدالة الحقيقية لا تُقاس بعدد القوانين، بل بعدد القلوب التي لم تعد تحتمل رؤية "بسَنت" أخرى تُدفن تحت الصمت.
فالطفولة التي تُدفن تحت الضرب، لا تُبعث بسهولة. وإن نجت الأجساد، تبقى الأرواح مثقوبة، تبحث عن دفء، وعن حب، وعن دعم نفسي لم تعرفه، وصوتٍ لم ينصفها.
لا يكفي أن يُسجن الجاني. بل لابد من إعادة بناء الطفل نفسيًا، اجتماعيًا، وتعليميًا... لأن الناجين من العنف لا يحتاجون فقط إلى الحياة، بل إلى معنى يستحق أن يُعاش.
استيقظت يارا في المستشفى، على وجه طبيب لا يصرخ. للمرة الأولى، سمعت كلمة "أمان"، وسقطت دمعة. لم تكن دمعة وجع… بل دمعة نجاة.
قد لا نُعيد لبَسنت حياتها، لكننا قادرون على منح غيرها مستقبلًا لا يُرسَم بالخوف. نحن مَدعوون للحديث، للإبلاغ، للحماية، للتربية الواعية، للمساءلة، للعدالة...
لأن الصمت جريمة، والجريمة لن تتوقف حتى تصبح الطفولة، بكل وجعها، أولوية وطن.