ضحى أحمد الباسوسي - لغة الفقد...

كانت تجلس هناك على أريكتها بصمتٍ ثقيل، كأن الوقت قد توقّف من حولها، وعيناها تنزفان الدمع بلا استئذان، دموعٌ تسقط بلا صوت، وكأن روحها تبكي من مكانٍ أعمق من الإدراك، لم تكن تدري لماذا تبكي، لم يكن هناك سببٌ واضح، لكن شيئاً ما كان ينهشها من الداخل، ثقلٌ غامض احتلّ صدرها فجأة، فخرجت منها تنهيدة طويلة، موحشة، تحمل في طياتها متاهة، وألف سؤال بلا إجابة، شعرتُ بها،بذبذبة حزنها وهي تعبر الغرفة، لم أسألها شيئاً، لم يكن هناك حاجة للكلمات، اقتربت فقط، وجلست بجانبها، ثم احتضنتها كما لو كنت أضمُّ العالم كله بين ذراعيّ، وفجأة، انهار سدُّها الصامت، وانفجرت بالبكاء، ثم همست بصوتٍ مكسور:

لقد عاد مجدداً.. عاد الفقد إليِّ هذا المساء دون أن يَطرق الباب، وتسلّل الحزن من شقوق القلب كالدخان، واستقرّ على الصدر كصخرة عجوز تعرف مكانها جيداً، جلس بجانبي في صمتٍ، كما يجلس الغريب الذي يعرف كل أسرارك، لم يقل شيئاً، لكن عيونه كانت تحكي عنك، ذكّرني بغيابك دون أن ينطق بإسمك، كأن الفقد له لُغة لا تحتاج إلى كلمات.

كنت أضحك، وفي منتصف الضحكة اختنقت، سمعت صوتك بين ضحكات الآخرين، ثم اختفى كأنّه لم يكن، وتركني أبحث عنك بين الأصوات، كنت أمشي، والريح تسألني عنك، فأخفض رأسي خجلاً، كيف أشرح لها أن من كان يمسك يدي رحل؟

أمسكت صورتك، فاهتزت يدي، كأنها تحمل وزنك كاملاً، كأنك سقطت من برواز الذكرى إلى قلبي مباشرة، غادرتنا منذ وقت ليس ببعيد، لكنك تركت روحك في الزوايا، تركت أنفاسك على الوسادة، وترك الحزن نفسه مفتاح الباب، يدخل وقتما شاء، ويغادر فقط حين ينذرف الدمع من تلقاء نفسه دون دعوة، ولكنه كان فقط اشتياق.

كل شيء يذكّرني بك، رائحة المطر، لون السماء عند المغيب، الأغاني القديمة التي كنت ترددها دون لحن، صوت الملعقة وهي تطرق فنجان القهوة.

لم أعد أبحث عن النسيان، فهو ليس وطناً أستطيع أن أهاجر إليه، بل سرابٌ كلما اقتربت منه، ابتعد أكثر، غبت عن عيني، لكنّك اتخذت من وجعي مسكناً دائماً، وأنا أعيشك كل يوم في غيابك، كأن الحزن أصبح نسختك الظلّيّة، يتمدد فيّ كلما حاولت النهوض.


لم أستدعِ الفقد صدقني، لكنه لم يغادرني يوماً، كأنه قرر منذ البداية أن يستأجر زاوية في قلبي دون إذن، جلس هناك، مطمئناً، كصاحب البيت لا ضيفه، يتسلل بخفة في اللحظات العادية، في نزهة عابرة بين رفوف السوق، أو ضحكة خافتة وسط حديث مع صديق نسيه الزمن، أو بين يديّ وأنا أطوي الغسيل بصمت، يختبئ في الزوايا، ثم يقفز فجأة حين أقود السيارة بلا وجهة، كأنه يعرف تماماً متى تكون جروحي نائمة ليوقظها.

لكنه لا يكتفي بالحضور، بل يظهر في ذروته عندما أظن أنني تعافيت،
عندما أُقنع نفسي أن الألم خفّ، وأنني تعلمت التعايش، يضربني حينها بقسوة، يعيدني إلى نقطة البداية، أعيش نفس اللحظة، نفس الصدمة، نفس الانكسار، وكأن لا وقت مرّ، ولا شفاء حدث، وكأنني ما زلت هناك، في يوم الرحيل الأول.

بقلم: ضحى أحمد الباسوسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...