أحمد عبدالله إسماعيل - الجميل...

وقف الصبيّ وأمه أمام ضابط الشرطة، وأطبقت يدها الهزيلة على ذراعه، كأنها تتشبث بآخر ما تبقى من ذكريات. تتفقدهما عينا الضابط ببرودة توحي بغياب الرحمة، بينما تذكرهما همهمات الغرفة الباهتة بأيام مضت، أيام كان فيها الوجه طلقاً، والقلب رحباً، واليدان مبسوطتين بلا تردد.

في تلك الأيام، كان الحاج خليل - رجل سمح، طيب النفس، يشرق وجهه كالصباح ويضيء قلبه كالقمر - قد منح جاراً له من أهل الحاجة بيتاً صغيراً. لم يسأله ثمناً، ولا اشترط عليه وثيقة، بل قال له ببساطة: "خذه؛ فليكن ستراً لك ولزوجك ولولدك".

ذاك كان زمنًا تكتب فيه المواثيق بالثقة، وتختم بالوفاء، لا بالحبر والأوراق. كانت المواثيق تكتب يومئذ بنور الضمير، لا بحبر العقود وأختام الشهر العقاري والمحاكم، لكن الأبناء الذين كبروا تحت سقف هذا الكرم نسوا.

بعد موت الأب، انغمسوا في دوامة الحياة، فلم يعد أحد يسأل عنهم. اكتشفوا في أوراق أبيهم المتآكلة أن البيت لا يزال ملكاً لهم، فتغيرت نظرتهم إلى الجار الفقير من نظرات الرأفة إلى نظرات من يريد استرداد حق مسلوب. لكن الأمر لم يكن مجرد جشع، بل كان أيضًا يأسًا؛ فقد تكالبت عليهم الديون، ورفض البنك إقراضهم إلا برهن هذا البيت. قال أحدهم لأخيه: "لو كان أبونا حياً لرأى كيف تغير الزمن، ولم يعد الكرم كافيًا لسد الجوع".

لم يكن استرداد البيت مجرد إخلاء، بل كان اقتحامًا. انقض الابن، المدافع عن البيت الذي عاش طويلًا يظنه بيته، على جاره كالوحش، وتطاير الدم من الجرح الغائر في رأسه بينما ظلت أمه تصرخ: "يا ناكر الجميل! تضرب ابن الرجل الذي أحاطكم برعايته؟! هذا بيتنا الذي تركه زوجي لكم لسنوات!"

مات الرجال، ودارت الأيام، وجاء الأبناء يحملون في صدورهم طباعاً لم يعرفها آباؤهم.

طالبوا باسترداد ما جاد به الأب يومًا بلا مقابل، فلما قيل لهم: "إنه كان صدقة من أبيكم!" لم يريدوا أن يعقلوا أو يصدقوا الأمر. فساقتهم أقدامهم إلى الشرطة، حيث توزن الحقوق بميزان الحقوق.

قالت أم الشاب المعتدي بصوت خفيض، كأنها تحدث نفسها: "ذهبت أيام الزمن الجميل، وراح معها الجميل. هل تريد أن تعود الأيام كما كانت؟ قل للزمان: ارجع يا زمان!". ثم التفتت إلى ابنها، وفي عينيها بريق من دمع متجمّد؛ فقد كانت تمسكه في مآقيها بقوة، كأنها تخشى أن يسيله الحزن فيظهر ضعفًا.

أما الضابط، فأطرق لحظة قصيرة، وكأن صراعًا خفيًّا يدور في أعماقه. نظر إلى صورة عائلته على المكتب، فتذكر بيت جده الذي خسره في نزاع قانوني مشابه. همس في نفسه: "كم هو ثقيل أن تكون عدلاً بلا رحمة". لكن صوت القانون ارتفع في رأسه: "لا مجال للعاطفة، الوثائق هي الفيصل". ثم أدار وجهه نحو النافذة كي لا يرى الأم العجوز وهي تتعثر في الخروج.

نطق الضابط كلماته بحزم: "لا بد أن يعود البيت إلى أهله؛ ليستردوا صدقتهم أو يحال هذا الخلاف إلى القضاء فورًا". لكن صوته بدا وكأنه يحاول إقناع نفسه أكثر مما يحاول إقناعهم.

خرج الصبيّ وأمه من قسم الشرطة، وقد أرخى الظلام ستائره على الدنيا. وفي طريق العودة، مرت الأم بجذع شجرة الزيتون التي غرسها الحاج خليل أمام البيت. لاحظت أن أغصانها ما زالت تمتد نحو السماء، رغم أن نصفها جاف. سألت نفسها: "أتراها تنتظر مطراً سيأتي ذات يوم؟".

عند الباب، وقف ابن الحاج خليل، يُمسك بيده ورقة صفراء قديمة. كان خطًّا باهتًا لأبيه يقول فيها: "إن أعطيتك هذا البيت، فلك ولعقبك.. فإما أن تبيعه أو تهبه، ولكن لا تنسَ يومًا أن الله يحب المُحسنين". هزّت الورقة شيئاً في قلب الشاب، وبينما توقفت شاحنة الهدم عند الباب، بدأ المطر يغسل آثار الدماء على الرصيف.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...