عبدالقادر حكيم - كلب...

الآن، سيقوم بتغيير أسلوبه؛ وأنا، وإن خبرتُ جميع أساليبه السابقة، المتكررة، والتي يسميها هو تكتيكات، متفاخراً بين زملائه، إلا أنّه يصعب عليّ الآن التكهّن بما سوف يفعله في الخطوة القادمة، وإن بدا لي جليّا، وفق حدسي الذي تعضده خبرة تزيد عن عامين، هي الفترة التي قضيتها في ذلك المكان النائي، وهي ذاتها التي انقضت منذ اليوم الأول التي دخل فيها هو حياتي، والذي كان جرواً صغيراً حينها. التقاني لحظة وصولي إلى البلدة؛ وإذ كنتُ اخطو خطواتي الأولى نحو حانوت ابن عمّي الذي يقع في قلب السوق، الذي كان عامراً بالحياة، في تلك الظهيرة البعيدة، قبل أن تصير الديار خاوية على عروشها. تمسّح ببنطالي الجينز، وتشمّم حذائي الثقيل، ثمّ تمخّط كما لو أنه ينبح. ودون أن يسألني أخذ يدفع حقيبتي الكبيرة، أمامه.
-"أنت الأستاذ الجديد؟"
-"نعم."
-"ما اسمك؟"
-"درماس ود درملّي"
-"سأوصلك إلى سكن المعلّمين، هو غير بعيد عن هنا.. أترى تلك ال.."
-"شكراً. لكني لستُ ذاهباً الآن إلى هناك."
-"أستطيع أن أوصلك إلى أي مكان، فأنت ضيفنا.. ماذا يوجد في حقيبتك؟ إنها ثقيلة"
-"شكراً. لا أحتاج مساعدة"
-"ماذا يوجد في حقيبتك؟"
-"...."
صرفته، فمضى حائراً، ذيله بين قائمتيه. لكنه عاد، فكمنَ قبالة حانوت ميبتوت ود علي، في الناحية الشمالية من السوق، في ظل شجرة السرو، يرمقني من هناك، متظاهراً بتجاذب اطراف الحديث مع باعة جائلين. ها هو ذا يخلع نعليه البلاستيكيين.. يدخل إلى الفندق حافياً، متأبطاً نعليه، يغسلهما، ثم يعود إلى موقعه تحت شجرة التبلدي العريقة. يأمر العامل بالمطعم، وهو صبي في سن الدراسة، قاطع دراسته، يأمره بوصل خرطوم الماء بالصنبور، في الباحة الخلفية للفندق، يندفع الماء في حوض زهور عبّاد الشمس، بعد أن تصدر عنه خرخرة تشبه حشرجة الموت. يقوم بسحبه، ويغسل رجليه، يدخلهما في الحذاء، ثم يمدهما نحو الشمس لكي تجفّا. سيارة دفع رباعي، يقودها شخص وصل من الكبر عتياً، له وجه ثور، ويبدو ذي سطوة كبيرة، ظاهرة، يحرسه جنديان مسلحان بقنابل يدوية، وبنادق كلاشنكوف، ويبدوان، لحداثة سنهما - ربّما- مزهوين بعتادهما. تصطكّ أسنانه، الرجل الثور، ويتحرّك فكاه بإستمرار، لا إرادياّ، ويحرّك عينيه في كل الاتجاهات، مثل رادار؛ باستثناء حركة عينيه، فإنه يحزنه ألا يستطيع التحكم في الفوضى العارمة داخل تجويف فمه، الذي يتصاعد منه البخر، الآن، ويؤلمه، أنه يستطيع أن يأمر، بإشارة، أو بإيماءة حتى، فتتحرك قواته، وتوقف الحركة في الشجر الذي ينمو، وفي الطفل الذي يحبو، وفي الكهل الذي يحكي ذكرياته مقاوماً الملل من الحياة. في زمنٍ وجيز، أقلّ بقليل من تلك الهنيهات التي تستغرقها رحلة عشبة طرية، ولوجاً، إلى بلعوم سنجابٍ وجل، أو اندياح دوائر الأمل في عيني طفلة تنتظر على الباب، عودة أبيها الغائب، أقفز إلى الخور؛ تغطيني أشجار الهشاب الكبيرة، أقعي لبرهة، ثم أجلس القرفصاء على الرمل الناعم الرطب. لستُ موقناً من أنه، أي الكلب، سوف لن يجدني؛ لكن يا إلهي!! ما الذي يخيفني؟.. لماذا أتحاشاه، عوض أن أؤسس حضوراً راسخاً؟!.. ثمّ ما الذي يخيف إذا ما صرتُ مادةً لتقريره اليومي عن تحركاتي؟.. ما الذي يخيف في أن أُكتبَ ، بأنني أصحو فجراً، أستحمّ بماء دافئ، أسخنه على وابور الجاز في غرفتي، أشرب شاياً بعد أن أتناول إفطاري المكوّن من الزبادي، وعسل النحل، وخبز الشعير الذي تصنعه لي كل مساء جدّتي مريم ولت دكين، ثمّ أترك باب غرفتي موارباً تدخله الرياح، وفراشات الليل التي أدركها الصباح فعشيَت، والجراء الصغيرة التي تطمح أن تكون كلاباً مطيعة ذات يوم للرجل الثور، ثمّ أذهب إلى المدرسة، متأخراً احياناً كي لا أحضر نشيد العلم!.. يا للهول!! ماذا لو عرفوا أنني أتعمّد فعل ذلك؟.. وأنني أحلم، في قرارة نفسي، بأن يعود غصن الزيتون اخضراً كما كان من قبل؟!.
يمتعط النهار، وتميل الشمس قليلاً نحو الغروب. أخرجُ من مخبئي في الخور، انطلقُ ماشياً صوب السوق، قاصداً حانوت ميبتوت ود علي، كي أدفع له ايجار غرفتي؛ أجد ابنه ذاهلاً بعينين يبني فيهما الرعب اعشاشه..
-"أين أبوك؟"
-"...."
-"أين أبوك؟"
-"...." .. وتغروق عيناه بالدموع؛ قلبه يبكي، ينزف. أتماسك رغم الغضب. أنا الآن، كما في القصص القديمة، قمقمٌ يسكنه جنّي. أخرج. أخطو نحو دار جدّي، أقصى البلدة؛ يتبعني ذلك الكلب. أتساءل:
-"هل سأستطيع الوصول إلى هناك؟ أقبّل رأس جدّتي وهي تطحن الشعير تحت شجرة التبلدي، ويتسلّل إليّ حفيّا عطرها المزيج من الودق، والمسك، والحنّاء، ثمّ أعمد إلى طرف ثوبها، أفكّ ثنيته، أمسك الورقة القابعة هناك، المطبقة بإحكام؛ أفردها، ثم أضيف إلى القائمة فيها إسماً جديداً، مع تفاصيل تاريخ اختفائه، وأنهم تسلقوا سور بيته، منتصف الليل، وجدوه يصلّي النوافل، ويدعو الله كي يعينه على تزويج ابنه، الذي يدير الحانوت الآن.
أخطو نحو دار جدّي، اقصى البلدة؛ يتبعني ذلك الكلب، تتبعه جراء، تتبعها كلاب أخرى، تتبعها جراء.

______________________
مايو 2025م
كالگاري - كندا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...