صاح أحدهم في فزع:
"القبطان غرق! كل طاقم القيادة ماتوا!"
قالت امرأة عجوز:
"علينا أن نرمي الأثقل."
ردّ آخر:
"بل نرمي من لا نفع فيه."
وصاح شاب صغير:
"الكبار أولى بالموت… لنعطِ الصغار فرصة."
وهكذا، بدأوا يحدّقون في بعضهم البعض،
كلٌّ يرى الآخر عبئًا زائدًا.
إلا أن يوسف، صاح:
"الكل سينجو… لن نُضحّي بأحد.
لكن بشرط: أن نتعاون، ننبذ خلافاتنا، ونكون على قلب رجلٍ واحد."
***
لا أحد يعلم كيف نجا ذلك المركب.
كانت العاصفة هوجاء، تخلع البحر من أعماقه.
تحطّمت سفن، وغرقت قوارب، لكن هذا المركب الخشبيّ الثقيل ظلّ عائمًا…
كان على متنه رجال ونساء، شيوخ وأطفال، لا يجمعهم سوى البحر… والخوف.
وجوههم منهكة، وعيونهم زائغة، والملح جفّف حلوقهم.
الجوع ينهشهم، والمطر البارد يبلّل أسمالهم.
في البداية… تعاونوا.
اقتسموا بضع تمرات، وغنّوا ليالي كي لا يجنّوا.
لكن الوجوه تبدّلت… والقلوب أيضًا.
نادية المطران، راهبة عجوز، كانت تغنّي لتسكين الأطفال، تروي قصص القدّيسين، وتربّت على أكتاف النساء الباكيات.
هالة المغربي، الطبيبة الشابّة، تنظّف الجروح بماء المطر، وتعلّم النساء صنع أدوات نظافة من خرقٍ مهترئة.
لكنها متحرّرة، ترتدي بنطالًا ضيقًا، وتضحك مع آدم بلا تردّد.
يراها عبداللطيف عارًا، رجسًا من عمل الشيطان،
يجلس وحده، يقرأ القرآن بصوت جهوري، كأنّه في محراب.
ينظر إلى النساء بغضبٍ مشتعل، ويسخط إذا رآهن دون حجاب.
دانيال مزراحي ، ينقش نجمة داوود على مجداف مكسور،
وحين يخاف، يدندن تراتيل عبرية، ويصلح توازن الألواح.
راجيف الهندوسي، يتمتم صلواته عند الفجر، ويعلّم الأطفال كيف يتأمّلون في البحر.
أمّا آدم، المهندس، فيفكّك المسامير الصدئة، يصلح المحرك، ويبتكر وسائل لجمع المطر في قِرَبٍ جلدية.
انشغلوا بالصيد، وبجمع الماء، وبالليل الطويل على خشبةٍ لا تستقر.
ومع الوقت… ظهرت الطقوس.
يوسف يصلّي بهدوء.
عبداللطيف يرمق النساء بنظرات نارية.
قال بصوت مسموم:
"هذا عُريٌ في عيون الله! هذا المركب ملعون بسبب أجسادكن!"
رفعت هالة عينيها، وقالت بهدوء ثابت:
"العُري الحقيقي… أن تظنّ الله ضيّق الصدر، لا يرى إلا قماشك المتّسخ."
قهقه آدم:
"دعوه يحدّق… ربّما يرى الله هناك، في الجلد، لا في القلب."
وثب عبداللطيف واقفًا، صرخ:
"كافر! زنديق! تستهزئ بالدين؟!"
تقدّم نحوه، يهمّ بضربه.
لكن يوسف وقف بينهما، وصوته حادّ كالسيف:
"لا أحد يفرض إيمانه هنا… هذه خشبة تائهة، لا منبر ولا محراب."
زمجر عبداللطيف:
"لكنها أرض… ويجب أن نطهّرها!"
راجيف تمتم:
"كلّنا سنأكل من تراب واحد… إن غرقنا."
بصق عبداللطيف على الأرض، وصاح:
"لا آكل من يد كافر… ولا أطفو مع نجس!"
نادية، دامعة العينين، احتضنت طفلًا باكيًا، وقالت بحزم:
"أنت لا تطفو… بل تغرق في قلبك، وحدك."
***
في ليلة سوداء،
نفد الطعام.
شحّ الماء.
واختفى السمك من تحت المركب.
الجوع أصبح صوتًا أعلى من التراتيل.
رمى عبداللطيف إناء الماء، وصاح:
"نُبتلى لأننا خلطنا المؤمن بالكافر! نحن في سفينة نوح! الكفّار يجب أن يغرقوا!"
وقف دانيال، منحني الظهر، وقال بحرقة:
"أتريد أن تقتلني؟"
صرخ آدم:
"اقذفني أولًا! لكن تذكّر… المحرك لا يعمل بصلواتك، بل بعلمي! يا نبيّ المركب!"
ضحك البعض، لكن عبداللطيف انقضّ عليه، وصفعه.
نزف آدم من شفته، وأسرعت هالة إليه، تضمد جراحه:
"أقسم، إن مسسته ثانية… لأطعننك بإبرة صدئة!"
تقدّمت نادية، وقالت وهي تحمي الأطفال:
"إن غرق أحدنا… غرقنا جميعًا."
***
في فجر اليوم التالي،
استيقظوا على صراخ.
دماء، لوح مكسور، آدم مطروح في الزاوية يتأوّه.
عبداللطيف يصرخ:
"قال لا وجود لإلهك!
يستحق الطرد أو الغرق!"
اقترب يوسف، وجهه كصخرٍ مبلّل، وقال:
"أتدري من ينزل كلّ يوم إلى البحر؟
من يُصلح الشقوق؟
من يوزّع الماء؟
ليس ملاكًا… بل آدم، الكافر كما تزعم."
صرخ عبداللطيف:
"الخدمة لا تغفر الكفر!"
قال يوسف، وعيناه متعبتان:
"كلّ مَن هنا… حتى من تكرهه، هو جزء من نجاتك.
موته… موتك.
ولا شريعة على الخشب… إلا الرحمة."
***
في اليوم التالي،
اجتمعوا.
أحاطوا بعبداللطيف.
كان يقاوم، يتشبّث بالحياة.
رفعوه ليرموه.
لكن دانيال اندفع كالسهم، دفعهم، وضمّه إلى صدره، وهتف:
"لن أترككم تقتلونه… لن أسمح!"
وفجأة، انشقّ الصمت بصوت يوسف، كالرعد:
"أجننتم؟! تقتلون عبداللطيف؟!
أتدرون أن موته… قد يكون هلاكنا جميعًا؟!"
***
تلك الليلة،
جلس آدم إلى لوح محترق، ونقش عليه:
"نعيش معًا… أو نموت بلا أثر."
وقّع دانيال.
ثم هالة.
ثم نادية.
ثم راجيف.
حتى عبداللطيف…
بخطٍ مرتجف… وقّع.
***
الصيد جماعي.
الصلاة في الزاوية الساكنة.
نادية تحكي للرضّع عن القدّيسين.
راجيف يعلّم الأطفال التأمّل.
هالة تقود طقوس النظافة.
آدم يشعل النار كل فجر.
وعبداللطيف، يجلس قرب دانيال،
ينظران معًا إلى الغروب، في صمتٍ عميق.
"القبطان غرق! كل طاقم القيادة ماتوا!"
قالت امرأة عجوز:
"علينا أن نرمي الأثقل."
ردّ آخر:
"بل نرمي من لا نفع فيه."
وصاح شاب صغير:
"الكبار أولى بالموت… لنعطِ الصغار فرصة."
وهكذا، بدأوا يحدّقون في بعضهم البعض،
كلٌّ يرى الآخر عبئًا زائدًا.
إلا أن يوسف، صاح:
"الكل سينجو… لن نُضحّي بأحد.
لكن بشرط: أن نتعاون، ننبذ خلافاتنا، ونكون على قلب رجلٍ واحد."
***
لا أحد يعلم كيف نجا ذلك المركب.
كانت العاصفة هوجاء، تخلع البحر من أعماقه.
تحطّمت سفن، وغرقت قوارب، لكن هذا المركب الخشبيّ الثقيل ظلّ عائمًا…
كان على متنه رجال ونساء، شيوخ وأطفال، لا يجمعهم سوى البحر… والخوف.
وجوههم منهكة، وعيونهم زائغة، والملح جفّف حلوقهم.
الجوع ينهشهم، والمطر البارد يبلّل أسمالهم.
في البداية… تعاونوا.
اقتسموا بضع تمرات، وغنّوا ليالي كي لا يجنّوا.
لكن الوجوه تبدّلت… والقلوب أيضًا.
نادية المطران، راهبة عجوز، كانت تغنّي لتسكين الأطفال، تروي قصص القدّيسين، وتربّت على أكتاف النساء الباكيات.
هالة المغربي، الطبيبة الشابّة، تنظّف الجروح بماء المطر، وتعلّم النساء صنع أدوات نظافة من خرقٍ مهترئة.
لكنها متحرّرة، ترتدي بنطالًا ضيقًا، وتضحك مع آدم بلا تردّد.
يراها عبداللطيف عارًا، رجسًا من عمل الشيطان،
يجلس وحده، يقرأ القرآن بصوت جهوري، كأنّه في محراب.
ينظر إلى النساء بغضبٍ مشتعل، ويسخط إذا رآهن دون حجاب.
دانيال مزراحي ، ينقش نجمة داوود على مجداف مكسور،
وحين يخاف، يدندن تراتيل عبرية، ويصلح توازن الألواح.
راجيف الهندوسي، يتمتم صلواته عند الفجر، ويعلّم الأطفال كيف يتأمّلون في البحر.
أمّا آدم، المهندس، فيفكّك المسامير الصدئة، يصلح المحرك، ويبتكر وسائل لجمع المطر في قِرَبٍ جلدية.
انشغلوا بالصيد، وبجمع الماء، وبالليل الطويل على خشبةٍ لا تستقر.
ومع الوقت… ظهرت الطقوس.
يوسف يصلّي بهدوء.
عبداللطيف يرمق النساء بنظرات نارية.
قال بصوت مسموم:
"هذا عُريٌ في عيون الله! هذا المركب ملعون بسبب أجسادكن!"
رفعت هالة عينيها، وقالت بهدوء ثابت:
"العُري الحقيقي… أن تظنّ الله ضيّق الصدر، لا يرى إلا قماشك المتّسخ."
قهقه آدم:
"دعوه يحدّق… ربّما يرى الله هناك، في الجلد، لا في القلب."
وثب عبداللطيف واقفًا، صرخ:
"كافر! زنديق! تستهزئ بالدين؟!"
تقدّم نحوه، يهمّ بضربه.
لكن يوسف وقف بينهما، وصوته حادّ كالسيف:
"لا أحد يفرض إيمانه هنا… هذه خشبة تائهة، لا منبر ولا محراب."
زمجر عبداللطيف:
"لكنها أرض… ويجب أن نطهّرها!"
راجيف تمتم:
"كلّنا سنأكل من تراب واحد… إن غرقنا."
بصق عبداللطيف على الأرض، وصاح:
"لا آكل من يد كافر… ولا أطفو مع نجس!"
نادية، دامعة العينين، احتضنت طفلًا باكيًا، وقالت بحزم:
"أنت لا تطفو… بل تغرق في قلبك، وحدك."
***
في ليلة سوداء،
نفد الطعام.
شحّ الماء.
واختفى السمك من تحت المركب.
الجوع أصبح صوتًا أعلى من التراتيل.
رمى عبداللطيف إناء الماء، وصاح:
"نُبتلى لأننا خلطنا المؤمن بالكافر! نحن في سفينة نوح! الكفّار يجب أن يغرقوا!"
وقف دانيال، منحني الظهر، وقال بحرقة:
"أتريد أن تقتلني؟"
صرخ آدم:
"اقذفني أولًا! لكن تذكّر… المحرك لا يعمل بصلواتك، بل بعلمي! يا نبيّ المركب!"
ضحك البعض، لكن عبداللطيف انقضّ عليه، وصفعه.
نزف آدم من شفته، وأسرعت هالة إليه، تضمد جراحه:
"أقسم، إن مسسته ثانية… لأطعننك بإبرة صدئة!"
تقدّمت نادية، وقالت وهي تحمي الأطفال:
"إن غرق أحدنا… غرقنا جميعًا."
***
في فجر اليوم التالي،
استيقظوا على صراخ.
دماء، لوح مكسور، آدم مطروح في الزاوية يتأوّه.
عبداللطيف يصرخ:
"قال لا وجود لإلهك!
يستحق الطرد أو الغرق!"
اقترب يوسف، وجهه كصخرٍ مبلّل، وقال:
"أتدري من ينزل كلّ يوم إلى البحر؟
من يُصلح الشقوق؟
من يوزّع الماء؟
ليس ملاكًا… بل آدم، الكافر كما تزعم."
صرخ عبداللطيف:
"الخدمة لا تغفر الكفر!"
قال يوسف، وعيناه متعبتان:
"كلّ مَن هنا… حتى من تكرهه، هو جزء من نجاتك.
موته… موتك.
ولا شريعة على الخشب… إلا الرحمة."
***
في اليوم التالي،
اجتمعوا.
أحاطوا بعبداللطيف.
كان يقاوم، يتشبّث بالحياة.
رفعوه ليرموه.
لكن دانيال اندفع كالسهم، دفعهم، وضمّه إلى صدره، وهتف:
"لن أترككم تقتلونه… لن أسمح!"
وفجأة، انشقّ الصمت بصوت يوسف، كالرعد:
"أجننتم؟! تقتلون عبداللطيف؟!
أتدرون أن موته… قد يكون هلاكنا جميعًا؟!"
***
تلك الليلة،
جلس آدم إلى لوح محترق، ونقش عليه:
"نعيش معًا… أو نموت بلا أثر."
وقّع دانيال.
ثم هالة.
ثم نادية.
ثم راجيف.
حتى عبداللطيف…
بخطٍ مرتجف… وقّع.
***
الصيد جماعي.
الصلاة في الزاوية الساكنة.
نادية تحكي للرضّع عن القدّيسين.
راجيف يعلّم الأطفال التأمّل.
هالة تقود طقوس النظافة.
آدم يشعل النار كل فجر.
وعبداللطيف، يجلس قرب دانيال،
ينظران معًا إلى الغروب، في صمتٍ عميق.