إبراهيم محمود - مجرد فأرة... قصة





هذا المكان لم يعد قابلاً للسكن!



لوحة فنية لفأر

أين أيام الرخاء والقوت الوفير؟ أصبح الحصول على كسرة خبز مغامرة محفوفة بالمخاطر. يا لغرابة أهل هذا البيت. لقد نصبوا لي الكمائن في الجهات كلها. أفخاخ بأحجام مختلفة، مكشوفة ومموهة. واللاصق المميت. لقد رأيت كثيرين من أخواتي وأخواتي وقد علقوا باللاصق، ولم ينجوا منه. كذلك الأفخاخ اللعينة التي ما أن يقترب أحدنا من أي منها، حتى يكون هناك صوت " طق "، حيث القضيب المعدني الرفيع يضغط على رقبته، وخلال ثوان يقضي عليه. وهناك القطة.. يا لها من يقظة.. مخيفة هذه القطة. ولدتُ وها قد كبرت وأنا حامل الآن، وهي لا تزال موجودة. رأيتها كثيراً هي الأخرى وهي تنشب مخالبها في الظهر، فلا يكون هناك من مفر..
إيه يا أمنا.. أين أنت الآن؟ أوه.. لقد نسيت..لقد كانت ضحية فخ منصوب ومموه.. لقد تعبتْ كثيراً ومن أجلنا كانت ميتتها..لقد ضاقت بنا الحياة كثيراً.. في هذا البيت الواسع، بات العثور على القوت صعباً جداً..هذه الكهرباء اللعينة جعلت كل شيء مكشوفاً...أمنا كانت تخبرنا أن الأيام التي عاشتها أمها أي، جدتنا ، كانت أكثر رخاء وأماناً..كانت تخبرها هي وأخواتها وأخوتها أن أكياس القمح والشعير والعدس كانت متراصفة، وبأعداد كثيرة.. عدا المتناثر منها...لم يكن هناك من كهرباء.. كان هناك ضوء قليل، ضوء قنديل أو مصباح لا يدوم طويلاً. أهل البيت ينامون سريعاً، ليمضوا إلى العمل في الصباح الباكر.. فتكون فرصتنا الكبرى، كما كانت جدتنا تقول لأمنا وأمنا تقول لنا، فنسرح ونمرح ونختاح من الحبوب أكثرها نكهة وطيب مذاق، ومن الصعب جداً رؤية فأر هزيل.. لقد كان أهل البيت وقتها كرماء بالفعل..
أيام أمنا، كان القوت أقل. صار أهل البيت الذين تزايدوا يزيدون في الحراسة ، ومضايقتنا، ورغم ذلك لم يكن هناك من صعوبة للحصول على خبز كاف، وحبوب وحتى بقول كافية..
وكانت تقول لنا وهي تتأوه: سوف تكون أيامكم أصعب وأقسى.. وقد صدقت أمنا..المكان الذي تكمن فيه جحورنا أسفل الحيطان مضاءة دائماً.. وأكثر من ذلك، لقد انبنت غرف اسمنتية، وصعب علينا حفر جحر بسهولة، ولم نعد نشهد أكياس الحبوب أو البقول.. لقد اختفت.. أين ذهبت؟ حتى الخبز الذي كنا نسمع رائحته، اختفى.. حل محله الخبز الذي يؤتى به من الفرن..
أكثر من ذلك، صرنا مهددين بالفناء.. إذ حتى الخبز اليابس الذي كنا نقرضه، لم يعد موجوداً، أهل البيت باتوا ينقعونه ويأكلونه..يا لهم من بخلاء! وإذا أضفنا الأفخاخ المتزايدة، فإن من السهل توقع تناقص عددنا..حتى القطة التي ألفناها لم تعد كما هي. لقد هزلت هي الأخرى.. كم تتقبل الذل والإهانة هذه القطة..هل كل القطط هكذا..؟ مع هزالها.. تتلقى الركلات، وحتى طردها أحيانا خارج البيت.. لماذا؟ لا بد أن الموضوع يتعلق بنا.. لأنها تفشل في القبض علينا.. وهي تستسلم لكل أشكال الضرب والشد من الذيل، وحتى سحبها من أذنيها..هل ولِدت القطة والذل معها؟
كم فرحتُ ذات مرة وأنا أرقص على رجلي الخلفيتين، حين لصق صغيرها بتلك المادة الصمغية الرهيبة.. كان مواؤها الحاد شاهداً على مدى خوفها وألمها.. لقد حرروها بعد مشقة.. وقد انتزع منها وبر كثير.. إنها تستحق مثل هذا العقاب.. ويبدو أنها لا تتعظ ..
إنما ماذا عنا، حيث بقيت الوحيدة في هذا البيت الذي شهد موت العشرات من أخوتي وأخواتي الفئران، وآخرها الفأر الذي عشنا أنا وإياه معاً سعيدين لبعض الوقت.. يا للهول.. لا بد من الهروب من هذا المكان، وثمة فئران صغيرة في الانتظار..
هكذا قررت في ليلة مظلمة. كان علي أن أخرى، وبعد أن تحسست المكان..لا أدري كيف كنت أثب من مكان إلى آخر.. ودون أن ألتفت أو ألتقط أنفاسي، ولو لبعض الوقت.. حتى بلغت حقلاً.. كان حقلاً خصباً.. تنفست الصعداء.. حياتي الأخرى ستبدأ من هنا..كان حفر جحر ولو بعمق محدود، ضامناً لسلامتي وسهلاً.. ألا ما أوسعه هذا الحقل.. ما أعلاها هذه السماء.. وعلي أن أكون أكثر حيطة وحذراً.. الأعداء موجودون في كل مكان، ومن الجهات كافة، ومن السماء ، وفي غفلة، يمكن أن يحدث ما هو مهلك..
لقد تعلمتُ من جدتنا وأمنا ما علي فعله.. بحذر شديد كنت أجمع حبوباً متناثرة في المكان، حتى القش اليابس، كنت أجره إلى جحري الذي زدته عمقاً وقد وسعته، بما يكفي لإيواء صغاري قريباً.. لم أدخر جهداً في سبيل ذلك.. لا بد أن يأخذ صغاري علماً أن أمهم عملت كل ما في وسعها ليصبحوا فئراناً ويفتخروا بها، مثلما كانت أمنا، ومثلما كانت جدتنا..
وها قد مضت أيام وأيام وصغاري يكبرون وتحت رعايتي، وفي هذا المكان الواسع، ورغم المخاطر الموجودة كذلك، وأنا أخبرهم بحكايات وقصص جدتهم وجدة جدتهم، وهم ينامون ويصحون سعداء..
كنت حذرة من كل حركة، ومن كل نأمة.. إنما لا أدري كيف شعرت بما يشبه وخزة دبوس في ظهري، أوقفتني في الحال..لقد فات الأوان.. كانت لدغة أفعى في الجوار..لا بد أنها نهايتي...وبينما الافعى تبدأ بالتهامي، كانت السعادة تغمرني، وقد أمنت على صغاري الذين لا بد أنهم سيكبرون ، وسيأتون على ذكر أمهم لأحفادهم، التي ضحت من أجلهم، وهكذا سيتناسلون متحدّين المخاطر، ولن ينقرضوا..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...