ضحى أحمد الباسوسي - عندما لا يكون ما يكفي، كافياً!...

لربما لا شيء سيكون كافياً إلى الأبد، نظن أننا نُمسك باللحظة ولكن نتذكر أنها كالماءما تلبث أن تنسدل من بين الأصابع، نُقنع أنفسنا أن دفقة الود التي قلناها كانت كافية، أن نصف العناق يكفي، وأن الكلمات التي لم تُقل ستصل وحدها، بالتخاطر أو بالدمع، لكن الحقيقة تقف أمامنا كمرآة صافية لا ترحم، تخبرنا بوجوهنا العارية من التبرير: لقد قصّرنا.

قصّرنا حين قلنا "غداً" وكان الغد لغيرنا، قصّرنا حين خبّأنا المشاعر في أدراج التأجيل، وكتبنا رسائل لم نُرسلها، وظننا أن الوقت يتّسع لكل شيء، إلا أنه كان يضيق بنا دون أن نشعر، نحبّهم... بعمق، ولكننا نظن أن الحب وحده يكفي، ننسى أن الحب مثل النبات، يحتاج ماءً ودفئاً ويداً تمتد كل يوم، ننسى أن الغائب لا يسمع النوايا، وأن الميت لا تصله الكلمات التي بُحّت بها الأرواح بعد رحيله.

كثيرون عبروا في حياتنا كالفصول: دافئون كالصيف، نادرون كالخريف، عابرون كالشتاء، ومنسيّون كربيع لم يُزهر، لكن بعضهم... بعضهم كان وطناً، ضيعناه لأننا اعتقدنا أن الوطن لا يغادر، وهناك أشياء أيضاً... أحلامٌ بدأناها ثم أخمدناها كما تُطفأ شمعة في رياح الخوف، مشاريع صغيرة من أنفسنا تخلّينا عنها حين راودنا التعب، أو حين أقنعنا أنفسنا أن "هذا يكفي".

وها نحن، في منتصف الليل، نراجع دفاتر العمر، نعيد قراءة الصفحات المطويّة، نتلعثم في مواجهة أنفسنا، نحاول أن نقنع المرآة أننا لم نُقصّر كثيراً، لكن الصوت في الداخل يهمس: بل قصّرنا... وكنا نظن أننا نُحسن.

ربما لا يكفي أن نكون موجودين... بل أن نكون حاضرين بكل ما فينا.
أن نقول "أحبك" مراتٍ بلا عدد، أن نعتذر دون كبرياء، أن نُكمل الطريق حتى لو تعثّرت أقدامنا، لأن الأشياء التي تُترك ناقصة، تظل تطرق أبوابنا كل ليلة، لا تُغلقها السنوات، ولا تُنسيها الوجوه الجديدة، تظلّ هناك، مثل صوتٍ بعيد في الصدر، يُذكّرنا أن الكفاية كذبة، وأن بعض القلوب لا تكتفي... إلا بالتمام.

بقلم: ضحى أحمد الباسوسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...