أحمد عبدالله إسماعيل - نطفة...

صدمني تغير حال ابنتي؛ إذ شحب لونها، واسودت الهالات أسفل عينيها، وتشقق ثغرها، فسألت بقلق بالغ:
ما الذي بدّل وضعك هكذا؟ تعيشين مثل الملكة في قصر أبهة مع رجل وقور الهيئة، تعلوه الهيبة، وتحسدك كل النساء عليه!
بعين يستفزها الدمع وبقلب يرتجف سألت تلومه:
توقعت أن تسألني: ما سبب القيء المستمر؟! ما سبب تورم جسدك وتدهور صحتك ؟! ما سبب حدة مزاجك؟! ما سبب غيابك عن المحاضرات ؟! ما الذى يبقيكِ في كنف رجل يجبرك على تناول حبوب منع الحمل قبل كل اقتراب جسدي، ولا يلقي بالا للنداء المنبعث من أحشائك؟! ألا تخشين الوحدة في كبرك؟ بم تشعرين كلما شاهدت طفلاً تهدهده أمه؟!
تنهدت في حسرة ثم أكملت: في بلادنا الذكور ينهشون أجساد النساء باسم الزواج، طوال اليوم في عملها ثم في خدمتهم وخدمة أهليهم وأصدقائهم، وحين يجن الليل لا يغمض لهن جفن إلا بعد إرضائه رغم تعبها ورغبتها المعدومة التي خنقها بأنانيته بكلتا يديه!
شعرتُ بحسرة كبيرة؛ لم أهتم يومًا بنظرة اليأس التي تفيض من وجهها ولا غياب الابتسامة عن حياتها رغم حنانها الدائم على الصغير والكبير، أكملتْ ما جعل قلبي يئن :
من ليلة الزفاف، ولسنوات عديدة، لا يهتم بما أشعر به، لا يسأل عما يؤرقني، يتناول طعامه في السرير بنهم شديد دون أن يسأل إن كنت جائعة أم لا، لا يشرب إلا إذا ناولته الماء بنفسي كالطفل دون أن يسأل عما جفف حلقي ومنعني من التلذذ بطعم الحياة، يأمر وينهى، يتحكم ويمارس رجولته التي تعني - في نظره - دهس رغبتي في الشعور بأنني على قيد الأمل، والسير فوق حلمي الوحيد طوال الوقت.
التفت إليها وقلت بنبرة لوم :
ولماذا إذن أرى منك نظرة الرضا طوال الوقت رغم حياتك مع هذا الرجل كخادمة أو جارية؟
قالت في تعاسة:
يشعرني صوت مفتاحه في كل مرة بالرعب، وعندما أحضر رفاقه إلى البيت قبل يومين، وأمرني بإطعامهم دون اكتراث لمرضي؛ دارت الدنيا بي، لا أشعر بالأمان في هذه الحياة؛ بكيت ورددت أشياءً في داخلي من شدة شعوري بالهلع من نظراته وصوته الآمر، ومن إخوتي الذين لا يتذكرونني إلا عندما يضيق بهم الحال، وأخشى قسوة قلب أختي التي لا تتذكرني باتصال هاتفي إلا لتطلب مساعدة أولادها في المذاكرة، صرت أخشى الدنيا كلها، يا أبت !
قلت: هل يقول إنه يحبك؟
قالت: كيف يقسم إنه يحبني ولن يحب سواي وهو يحمّلني ما لا أطيق، تنظيف البيت، إعداد الطعام، وكتابة تقاريره الأمنية كل ليلة حتى مطلع الفجر، كل هذا لا يؤلمني بقدر حرماني من أحب النعم إلى قلبي، أتمنى أن أحمل في أحشائي نطفة حتى لو لم يكتمل الحمل !
سأتحدث إليه .
سيرفض، وسيتحول إلى شخص آخر!
إنه يحبك، وسيفعل ما يطيب خاطرك.
يحبني ؟! هل فكّر في دعوة أصحابه إلى الغداء في أحد المطاعم الراقية رحمة بي؟! هل أحضر وجبات طعام جاهزة في طريقه إلى البيت يوم المسح الذريّ على صدري؟! هل فكّر أن يطبخ الطعام بنفسه كما اعتاد أن يفعل في الدورات الأمنية التي يحصل عليها - على نفقتي الشخصية - بالخارج كل عام ؟!
وما الذى يجبرك على تنظيف البيت أو إعداد الطعام أو كتابة تقاريره رغم مرضك؟!
انحباس الصوت في الحلق يا أبت؛ فقد ولدت لأم لم تنطق بكلمة طوال عمرها، وإن نطقتُ بما أكتم أخشى أن تردد مثلها: "أنتِ زوجة رجل تحلم أي فتاة بوسامته ووظيفته في الحرس الجمهوري"؛ فوصلت إلى حالة انعدام الشعور !
ماذا تقصدين بانعدام الشعور؟
لقد قرأت أننا عندما نعيش في منزل يأمر فيه الرجل ويصرخ في وجه زوجته ولا يُسمع إلا صوته، وننفذ طلباته أول مرة نفقد السيطرة على إرادتنا أمامه شيئا فشيئا حتى نفقدها إلى الأبد. كل شئ فقدت السيطرة عليه من رهبتي منك ومنه ومن إخوتي ومن كل المحيطين بي. كل الحمقاوات اللائي سُحقت أحلامهن سيطر عليهن رجل يطلقون عليه في مجتمعاتنا "الزوج" يا أبت.
أجبت محاولا إعادتها إلى طبيعتها والقضاء على ثورتها التي أذهبت عقلها :
إنه يحبك ولا يتخيل الحياة من دونك.
أجابت بمرارة جففت ريقها:
بل لا يحب إلا نفسه، قالت الطبيبة إن البثور والأورام التي ظهرت على الثديين سببها القلق والخوف، أما القيء المتكرر فسببه اضطراب المعدة من عدم الراحة النفسية، الحقيقة الوحيدة الآن هي أن ابنتك مريضة!
ما الذي أتعبك يا قلب أبيك ؟!
تعبت من حياتي.
سيتغير، وأعدك أن يصبح كل شيء على ما يرام.
لن يتغير؛ لأن الشخصية التي يتقنها طوال ثلاث وعشرين ساعة أصدق من كل الأكاذيب التى يرددها عندما يتحدث معك بفحيح مبرراته في ساعة واحدة!
ولماذا يكذب يا ابنتي؟!
خشية أن أهرب من قفصه الذهبي، سجنه الذي يمتلك مفاتحه؛ لأنه يخشى صورته أمام أهله وزملائه، ويعمل ألف حساب لليوم الذي تستيقظ فيه إرادتي التي سحقها بنعله، مثلما يفعل بأعقاب سجائره، حين صرخ في وجهي آمرًا أول مرة وأطعته، يخاف لحظة فارقة لا يتوقعها.
ربّت الأب على كتف ابنته، وبعين تفيض بالدمع قال:
الآن تعودين إلى بيتك، تمارسين عملك المرموق في الجامعة، واتركي هذا الأمر لي؛ هذا الرجل يحتاج إلى قرصة أذن، ألا يعلم قيمتي وقيمة ابنتي الأستاذة الدكتورة التي يتشرف بها الجميع ؟!
عادت "كريمة" إلى الوراء قليلا ثم نظرت في عمق عين أبيها وقالت:
تعودين؟! قرصة أذن؟! الليلة سوف ينتهي الأمر، ورغم ذلك فأنا فقط مدينة له بما وصلت إليه من إدراك لحقيقة وجودي.
ما الذي ترمين له؟! ما الأمر الذي سينتهي ؟!
بعدما أخبره بكل الحروب التي دارت رحاها في قلبي بسببه، وأبت أن تضع أوزارها لسنوات تريد أن تُزهق روحي المنطلقة، سأجعله يرى أني لم أولد لأكون جارية تحت قدميه، وأن لحياتي قيمة من دونه، وعندما يتحسس أخباري سيعرف كيف أعيش، سوف يزلزله صوت الباب وأنا أغلقه خلفي بشدة، فيدك جبروته وتسلطه؛ ويصمّ أذنيه؛ ليعلم بعد حين أن من تعطي الود بلا حساب تحتاج إلى من يمنحها التقدير بلا ضفاف، سأترك الدنيا التي أدور فيها مثل ترس الآلة من أجل حلمي: سأرحل من أجل نطفة، تنام إلى جواري، أتنفس شهيقها وزفيرها، بقية حياتي!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...