في ليلة قمرية، كان الضوء الفضي يغمر الأرض، ويكسوها برداء من السكون المهيب. الهواء ساكن، لا ريح تهب، ولا صوت يُسمع سوى خفقان الصمت الشديد الذي يلف المكان. كان القمر في منتصف السماء، يشع نوره الباهت، كعين ساهرة تراقب الزمن. وفي أعماق أحد الأهرامات المهجورة، حيث لا حياة ولا حركة، بدأ شيء غامض يتحرك.
وسط الظلام الحالك، وفي أعماق تابوت قديم، استيقظت المومياء من سباتها الطويل. تحرك جسدها المكسو بأشرطة الكتان المتهالكة ببطء، كما لو أن الزمن لم يغادرها، وكأنها مجرد ظل عالق في الماضي. لم تكن تعرف ما الذي أيقظها، أكان نداء مجهولا من عالم آخر، أم أن روحها التي تحدّت الموت قررت العودة إلى الوجود؟
تحركت أصابعها المتحجرة، واهتز صدرها كأنها تستعيد أنفاسها الأولى بعد آلاف السنين. كانت تشعر بما يشبه المغناطيس يجذبها إلى الخارج، وكأن العالم يناديها لتكتشف كيف تغيّر بعد كل هذا الزمن. دفعت غطاء التابوت بصعوبة، وانبعثت منه سحابة من الغبار القديم الذي تراقص في الهواء، كأنه أرواح الماضي التي استيقظت معها.
خرجت المومياء ببطء، خطاها ثقيلة لكنها ثابتة. عيناها المشققتان مسحتا المكان، فرأت كل شيء كما تركته منذ زمن بعيد. الجدران المليئة بالنقوش الباهتة، والتماثيل المتآكلة التي كانت يوما تمثل الآلهة العظيمة، والصمت الذي كان يوما مليئا بالصلوات والتعاويذ. لكن شيئا ما كان مختلفا. الأنسام كانت تحمل رائحة لا تشبه أي رائحة أخرى، والظلام لم يكن كما اعتادت عليه. كان هناك إحساس مفعم بالوحشة، وكأن المكان لم يعد ينتمي إليها، ولم تعد هي بدورها تنتمي إليه.
تحركت خارج القبر الخشبي، تركت خطواتها أثرا خفيفا على الرمال الناعمة. نظرت إلى السماء، فوجدت النجوم متفرقة باهتة وقد فقدت بريقها، كأنها تنعي عالما لم يعد كما كان. القمر، رغم ضيائه الفضي، بدا باردا بعيدا، كأنه صار غريبا عن هذا العالم الذي يرزح تحت وطأة الزمن.
مشت بين الأنقاض، وعيناها تتفحصان المشهد. المعابد التي كانت يوما عامرة بالحياة، صارت مجرد هياكل خالية. الأعمدة التي شهدت أمجاد الأجداد، انحنت تحت سلطان التاريخ. حتى الهواء كان مضغوطا، كأنه محمل بأصوات مجهولة، بأنين لم تستطع تحديد مصدره.
عندما اقتربت من أطراف المدينة القديمة، رأت ما جعل روحها ترتجف. لم يكن هذا هو العالم الذي تركته. هناك أضواء بعيدة، تتحرك في الظلام مثل عيون متوحشة. هناك أيضا أصوات بعيدة، أزيز لم تعرفه، لكنه بدا أشبه بهدير مخلوق عملاق يزحف نحو الفناء. وشعرت برعشة باردة تسري في أوصالها.
اختبأت خلف جدار نصف منهار، تراقب من بعيد. كانت ترى البشر، لكنهم لم يكونوا كما اعتادت عليهم. وجوههم شاحبة، خطواتهم مضطربة، وكأنهم يبحثون عن شيء مفقود. لم يكونوا كأولئك الذين عرفتهم في أيامها. هؤلاء لم يحملوا ذلك السلام القديم، كانوا كالأشباح، يسيرون بسرعة، خائفين من شيء لم تستطع رؤيته.
وفجأة، ملأ الهواء اضطراب مثل الرعد. كان صوت أزيز الطائرات، يخترق السماء مثل ألف نصل حاد. تردد الأزيز في أرجاء المكان، وهز الأرض من تحتها. ثم تلاه دوي انفجار، هز المدينة البعيدة، ونشر وهجا أحمر في الأفق. شهقت المومياء بصمت، وهي تراقب النار تلتهم الظلام.
همست بصوت لم يسمعه أحد: «إنها الحرب...".
رأت الناس يركضون، يبحثون عن ملاجئ، وجوههم مذعورة، كأنهم هاربون من أشباح لا ترحم. تذكرت الحروب القديمة، المعارك التي شهدتها أيامها، لكن هذه الحرب كانت مختلفة. لم تكن مجرد سيوف ورماح، كانت نيرانا لا تنطفئ، موتا بلا وجه.
شعرت بأن هذا العالم لم يعد لها. لم يكن هذا موطنها. كانت مجرد غريبة، ظل من زمن مضى، لا تنتمي إلى هذا الخراب. شعرت بالحنين إلى قبرها، إلى الظلام الذي كان يحتضنها في صمت التابوت الآمن، بعيدا عن هذا الجنون.
بخطوات ثقيلة، بدأت تتراجع إلى الخلف، تعود. مرّت بين الأطلال، عبرت الأروقة التي احتفظت بذكريات الأجداد. كانت روحها تصرخ، لكن لا أحد يسمع. لم تعد تشعر بالخوف، بل بالحزن. دخلت إلى القبر، وقفت أمام التابوت، ولم تتردد. استلقت داخله، وأغلقت الغطاء فوقها، تاركة هذا العالم خلفها.
كان كل شيء هادئا من جديد. فقط صوت قلبها البطيء ظل ينبض في الظلام، كأنه يطرح السؤال الذي لن يجد له إجابة: "هل سيستيقظ العالم يوما من كابوسه، أم أن الحروب ستظل تدور، كما تدور النجوم في السماء بلا نهاية؟".
لكنها لم تجد إجابة، فقط عادت إلى النوم، تاركة خلفها عالما لم يعد لها، وزمنا آيلا للتبدل، زمنا لم يكن يوما صديقا للخلود.
#مصطفى_ملح
وسط الظلام الحالك، وفي أعماق تابوت قديم، استيقظت المومياء من سباتها الطويل. تحرك جسدها المكسو بأشرطة الكتان المتهالكة ببطء، كما لو أن الزمن لم يغادرها، وكأنها مجرد ظل عالق في الماضي. لم تكن تعرف ما الذي أيقظها، أكان نداء مجهولا من عالم آخر، أم أن روحها التي تحدّت الموت قررت العودة إلى الوجود؟
تحركت أصابعها المتحجرة، واهتز صدرها كأنها تستعيد أنفاسها الأولى بعد آلاف السنين. كانت تشعر بما يشبه المغناطيس يجذبها إلى الخارج، وكأن العالم يناديها لتكتشف كيف تغيّر بعد كل هذا الزمن. دفعت غطاء التابوت بصعوبة، وانبعثت منه سحابة من الغبار القديم الذي تراقص في الهواء، كأنه أرواح الماضي التي استيقظت معها.
خرجت المومياء ببطء، خطاها ثقيلة لكنها ثابتة. عيناها المشققتان مسحتا المكان، فرأت كل شيء كما تركته منذ زمن بعيد. الجدران المليئة بالنقوش الباهتة، والتماثيل المتآكلة التي كانت يوما تمثل الآلهة العظيمة، والصمت الذي كان يوما مليئا بالصلوات والتعاويذ. لكن شيئا ما كان مختلفا. الأنسام كانت تحمل رائحة لا تشبه أي رائحة أخرى، والظلام لم يكن كما اعتادت عليه. كان هناك إحساس مفعم بالوحشة، وكأن المكان لم يعد ينتمي إليها، ولم تعد هي بدورها تنتمي إليه.
تحركت خارج القبر الخشبي، تركت خطواتها أثرا خفيفا على الرمال الناعمة. نظرت إلى السماء، فوجدت النجوم متفرقة باهتة وقد فقدت بريقها، كأنها تنعي عالما لم يعد كما كان. القمر، رغم ضيائه الفضي، بدا باردا بعيدا، كأنه صار غريبا عن هذا العالم الذي يرزح تحت وطأة الزمن.
مشت بين الأنقاض، وعيناها تتفحصان المشهد. المعابد التي كانت يوما عامرة بالحياة، صارت مجرد هياكل خالية. الأعمدة التي شهدت أمجاد الأجداد، انحنت تحت سلطان التاريخ. حتى الهواء كان مضغوطا، كأنه محمل بأصوات مجهولة، بأنين لم تستطع تحديد مصدره.
عندما اقتربت من أطراف المدينة القديمة، رأت ما جعل روحها ترتجف. لم يكن هذا هو العالم الذي تركته. هناك أضواء بعيدة، تتحرك في الظلام مثل عيون متوحشة. هناك أيضا أصوات بعيدة، أزيز لم تعرفه، لكنه بدا أشبه بهدير مخلوق عملاق يزحف نحو الفناء. وشعرت برعشة باردة تسري في أوصالها.
اختبأت خلف جدار نصف منهار، تراقب من بعيد. كانت ترى البشر، لكنهم لم يكونوا كما اعتادت عليهم. وجوههم شاحبة، خطواتهم مضطربة، وكأنهم يبحثون عن شيء مفقود. لم يكونوا كأولئك الذين عرفتهم في أيامها. هؤلاء لم يحملوا ذلك السلام القديم، كانوا كالأشباح، يسيرون بسرعة، خائفين من شيء لم تستطع رؤيته.
وفجأة، ملأ الهواء اضطراب مثل الرعد. كان صوت أزيز الطائرات، يخترق السماء مثل ألف نصل حاد. تردد الأزيز في أرجاء المكان، وهز الأرض من تحتها. ثم تلاه دوي انفجار، هز المدينة البعيدة، ونشر وهجا أحمر في الأفق. شهقت المومياء بصمت، وهي تراقب النار تلتهم الظلام.
همست بصوت لم يسمعه أحد: «إنها الحرب...".
رأت الناس يركضون، يبحثون عن ملاجئ، وجوههم مذعورة، كأنهم هاربون من أشباح لا ترحم. تذكرت الحروب القديمة، المعارك التي شهدتها أيامها، لكن هذه الحرب كانت مختلفة. لم تكن مجرد سيوف ورماح، كانت نيرانا لا تنطفئ، موتا بلا وجه.
شعرت بأن هذا العالم لم يعد لها. لم يكن هذا موطنها. كانت مجرد غريبة، ظل من زمن مضى، لا تنتمي إلى هذا الخراب. شعرت بالحنين إلى قبرها، إلى الظلام الذي كان يحتضنها في صمت التابوت الآمن، بعيدا عن هذا الجنون.
بخطوات ثقيلة، بدأت تتراجع إلى الخلف، تعود. مرّت بين الأطلال، عبرت الأروقة التي احتفظت بذكريات الأجداد. كانت روحها تصرخ، لكن لا أحد يسمع. لم تعد تشعر بالخوف، بل بالحزن. دخلت إلى القبر، وقفت أمام التابوت، ولم تتردد. استلقت داخله، وأغلقت الغطاء فوقها، تاركة هذا العالم خلفها.
كان كل شيء هادئا من جديد. فقط صوت قلبها البطيء ظل ينبض في الظلام، كأنه يطرح السؤال الذي لن يجد له إجابة: "هل سيستيقظ العالم يوما من كابوسه، أم أن الحروب ستظل تدور، كما تدور النجوم في السماء بلا نهاية؟".
لكنها لم تجد إجابة، فقط عادت إلى النوم، تاركة خلفها عالما لم يعد لها، وزمنا آيلا للتبدل، زمنا لم يكن يوما صديقا للخلود.
#مصطفى_ملح