سمير لوبه/ - أنشودة إسكندراني– 7 سنين في العطارين...

في صباحٍ من صباحات إسكندرية مطلع القرن العشرين، والشمس تُطل بخجل من فوق البحر وتنسكب على الواجهات الإيطالية بشُرفاتها الحديدية المزخرفة، حي العطارين يعزف سيمفونية كتبها قلب المدينة.

في الطابق الثاني من بيت عتيق، متآكل الأطراف، عظيم الجوهر، اجتمعت الحكاية.

في هذا البيت، يسكن سليم أفندي المصري، موظف في البوسطة، ذو شارب مُهذّب ونظارة مدوّرة، يضبط ساعته على دقّة القطار، ويمسح حذاءه صباحًا وهو يدندن:

– زوروني كل سنة مرة

وبجواره يسكن أرتين الأرمني، صانع في محل للمجوهرات، ذو أصابع تعرف الماس أكثر مما تعرف الزمان، وعيناه تحملان وجع قديم دفعه لمغادرة بلاده والاستقرار في الإسكندرية الحنونة التي تمنح الأمان لمن لا وطن له، وفي الطابق الأول تقيم روزا ليفي اليهودية، أرملة عزرا التاجر، تحتفظ بصورته في برواز خشبي قرب سريرها، وتُطعم القطط التي تحفظ طريق بيتها، تبيع روزا ليفي العطور الفرنسية في محل صغير بشارع فرنسا، ويأتيها الناس من كل حي ليشتروا منها الطيب والبهجة، وفي نفس البيت، في الدور العلوي، يعيش كوستا الجريجي، الطباخ الذي يعمل في مطعم يوناني على البحر ، كل صباح يخرج بقبعته البيضاء ووجهه الضاحك، يقول للجميع:

– كاليميرا.

دائمًا ما يعدّ لجيرانه المسوراكيا للتحلية مع الشاي، وأحيانا صينية السمك بالليمون، ويروي لهم القصص عن أثينا وجدته التي تعلم في مطبخها فنون الطبخ اليونانية، لكنه لا ينسى أن يختم كل حكاية بقوله:

– بس إسكندرية أحلى.

أما عبد السلام فهو صنايعي وابن بلد، يسكن فوق السطح، في حجرة صغيرة، يعمل في كار المعمار وترميم البيوت القديمة، ويعرف كيف يربت على الحيطان المتعبة بحنية، وكأنه يُرمم ذاكرة المدينة،

إن هذا البيت في العطارين أشبه بكورس إسكندراني ، كل ساكن يعزف نغمة حياته، الأرواح تتناغم كما الأمواج، تختلف ولا تتصادم، تلتقي ولا تُمحى، الصباحات في هذا البيت تُفتَح برائحة القهوة التي يُعدّها أرتين، ويشاركها مع سليم الذي يأتيه كل صباح بالجريدة وبضع كلمات عن حالة الجو وأخر أخبار البورصة، تناديهم روزا من نافذتها، تقطع حديثهم بابتسامة وتُعطيهم قطعة كعك باليانسون، وينال عبد السلام نصيبه وهو نازل على السلم متجها لعمله، وتضحك حين يقول لها عبد السلام:

– والنبي يا مدام روزا، الكعك يتاكل من ريحته

وفي ظهيرة كل جمعة، يعد لهم كوستا المسوراكيا وفي الغداء أكلة سمك تجمعهم، وخبز أرمني تحضره أم أرتين من الفرن، ومخلل من إيد أم سليم، حتى روزا التي لا تطهو كثيرًا، تحضر صحن الحمص بالطحينة وتقول:

– صنعة إيديا وحياة عينيا .

كانوا يأكلون معًا في شقة أحدهم ، وتدور أكواب الشاي بالنعناع بعد وجبة السمك، ويبدأ عبد السلام في الغناء بصوته الأجش:

– يا صهبجية ..

ويرد عليه كوستا بصوت متحمس، ويضحك الجميع حتى يسقط صحن أو يندلق شاي، فيضحكون أكثر.

لم يكن أحدٌ يسأل الآخر عن صلاته، فكلٌ يُصلي بطريقته، بيتهم لم يكن ضيّق القلب، بيتهم واسعٌ كبحر إسكندرية، يسمع أجراس كنيسة الأرمن، وبوق معبد اليهود، وآذان الجامع الكبير، في مساءات الشتاء تُزمجر الرياح وتُغلق المحال، يتجمعون حول مدفأة كوستا، يروي أرتين قصص أجداده في الأناضول، وتحكي روزا عن ذكريات طفولتها في حارة اليهود، ويستعيد سليم ذكرياته في المدرسة، وحين كتب الشعر أول مرة، أما عبد السلام، فكان يحكي عن البحر، والبيوت التي أكلها الملح.

وفي ليلة من ليالي الشتاء، ماتت روزا بهدوء في سريرها، جاءت القطط وجلست عند بابها، كأنها تودّعها، بكاها كوستا في الكنيسة، ورتل أرتين تراتيله عليها، وقرأ سليم لها الفاتحة، وزرع عبد السلام زهرة ياسمين على نافذتها.

لم يغلقوا شقتها، بل تركوها كما هي، يمرّون عليها كل صباح، يُضيئون مصباحها، ويسقون الزرع، يقولون دائما :

– روزا لسه هنا، ريحة الكعك بالينسون لسه طالعة.

كبرت السنون، تغيّر الحي، وجاء زمن آخر، تفرّق الجمع، مات سليم، وترك كتبه لعبد السلام، الذي علّق صورة للبيت في مقهاه الصغير على البحر، أرتين سافر إلى فرنسا وانقطعت أخباره، وكوستا عاد إلى اليونان، لكنه ظل يبعث البطاقات البريدية للإسكندرية على مقهى عبد السلام ، يكتب فيها:

– إسكندرية مفيش زيها.

أما البيت، فبقي هناك، في العطارين، مائلًا قليلًا، كأنّه يتذكّر، وعلى جدار المدخل ، نقشت يدٌ مجهولة على الحائط جملة واحدة، هنا عزفنا أنشودة لا تُنسى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...